وسّعت الولايات المتحدة حملتها الاقتصادية ضد إيران لتطال شركة تركية مقرها إسطنبول، في خطوة تكشف اتساع نطاق العقوبات الأميركية من المؤسسات الإيرانية المباشرة إلى الشركات الأجنبية التي تقول واشنطن إنها تساعد طهران على الحفاظ على قاعدتها الصناعية وتجاوز القيود المالية والتجارية.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، إدراج شركة «تروي تريدينغ» التركية، المتخصصة في توريد قطع غيار المركبات، على قائمة العقوبات، متهمةً إياها بشحن مكونات للشاحنات إلى شركة إيرانية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية. وبحسب الخزانة، تأسست الشركة في تركيا في مارس/آذار 2019، وأصبحت مشمولة بإجراءات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك» التابع للوزارة.
ولا تعني هذه الخطوة اتهاماً قضائياً تركياً أو حكماً نهائياً بارتكاب جريمة، بل تعكس تطبيق النظام الأميركي للعقوبات على جهة أجنبية تعتبرها واشنطن جزءاً من سلسلة توريد تخدم الاقتصاد الإيراني الخاضع للعقوبات.
«باهمن ديزل» في قلب القضية
تقول وزارة الخزانة إن «تروي تريدينغ» زودت «باهمن ديزل» بقطع غيار للشاحنات. والشركة الإيرانية تابعة لمجموعة «باهمن» التي سبق أن وضعتها الولايات المتحدة على قائمة العقوبات.
وتتهم واشنطن مجموعة «باهمن» بإنتاج شاحنات ومركبات مخصصة للاستخدامات العملية، بعضها مرتبط بالقوات المسلحة الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري الإيراني ووحداته العاملة في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ. ومن هذا المنظور، تنظر الخزانة الأميركية إلى قطاع السيارات الإيراني باعتباره ليس مجرد نشاط اقتصادي مدني، بل جزءاً من بنية صناعية يمكن أن تخدم الأغراض العسكرية واللوجستية للدولة الإيرانية.
وتزامن استهداف الشركة التركية مع عقوبات أوسع شملت قطاعات السيارات والسكك الحديدية والصناعات المرتبطة بها، إضافة إلى موردين وشركات في إندونيسيا والإمارات وهونغ كونغ. كما استهدفت واشنطن شركتي إيران خودرو وسايبا، وهما أكبر شركتين لصناعة السيارات في البلاد وتستحوذان معاً على أكثر من 90 في المئة من السوق المحلية، بحسب وزارة الخزانة الأميركية.
لماذا تضرب واشنطن قطاع السيارات والسكك الحديدية الآن؟
لفهم العقوبات الجديدة، لا بد من وضعها في سياق الحملة الأوسع التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب في 24 أغسطس/آب تحت اسم «عملية العزل الاقتصادي»
تقول وزارة الخزانة إن العملية تستهدف قطع القنوات المالية والاقتصادية التي تستخدمها الحكومة الإيرانية والحرس الثوري لتمويل أنشطتهما، من خلال ملاحقة شبكات تهريب النفط، وآليات الالتفاف على العقوبات، والوسطاء والشركات الموجودة خارج إيران. كما حذرت الشركات الأجنبية من أن تسهيل غسل الأموال أو التحايل على العقوبات قد يعرضها لعقوبات ثانوية ويفصلها عن النظام المالي الأميركي.
وجاءت الخطوة الأخيرة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول لتستهدف ما وصفته الخزانة بـ«شرايين صناعية متبقية» في الاقتصاد الإيراني، خصوصاً قطاعي السيارات والسكك الحديدية. وترى واشنطن أن القيود البحرية على صادرات إيران، ولا سيما النفط، دفعت طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على النقل البري والسكك الحديدية لتحريك البضائع والطاقة داخل البلاد وعبر الحدود، ما جعل هذه القطاعات هدفاً جديداً للحملة الأميركية.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية في العقوبات الجديدة: عندما تضيق قنوات التصدير البحري، تصبح الطرق البرية وشبكات النقل الداخلي أكثر أهمية، وبالتالي تنتقل المعركة الاقتصادية من الموانئ إلى المصانع والشاحنات والقطارات وموردي قطع الغيار.
العقوبة لا تستهدف الشركة وحدها
العقوبات الأميركية لا تقتصر آثارها على تجميد الأصول الخاضعة للولاية الأميركية. فالأفراد والشركات الأميركية يُمنعون عموماً من إجراء معاملات مع الجهات المدرجة، فيما تواجه البنوك الأجنبية التي تسهل معاملات كبيرة معها خطر فرض قيود على وصولها إلى النظام المصرفي الأميركي.
وهذا يمنح واشنطن نفوذاً يتجاوز الحدود الأميركية. فالشركة التركية التي لا تتعامل بالدولار مباشرة قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم علاقاتها مع البنوك والعملاء وشركات التأمين والشحن، لأن أي طرف في السلسلة يخشى بدوره التعرض للعقوبات.
وبذلك يصبح أثر العقوبات أوسع من القيمة المالية المباشرة للصفقة التي استهدفتها واشنطن. الهدف هو رفع تكلفة التعامل مع إيران إلى مستوى يجعل الشركات الأجنبية تعيد حساباتها حتى عندما لا تكون خاضعة للقانون الأميركي بصورة مباشرة.
تركيا أمام معادلة أكثر تعقيداً
إدراج شركة تركية في هذه الحزمة يحمل دلالة خاصة بالنسبة إلى أنقرة. فتركيا عضو في حلف الناتو، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات تجارية وجغرافية مهمة مع إيران، وتشكّل الأراضي التركية منفذاً طبيعياً للتجارة الإقليمية والنقل البري.
ولا يعني استهداف «تروي تريدينغ» أن الولايات المتحدة تفرض عقوبات على تركيا كدولة، لكنه يوجه رسالة واضحة إلى الشركات التركية العاملة في سلاسل التوريد المرتبطة بإيران: العلاقة التجارية مع السوق الإيرانية قد تتحول إلى مخاطرة استراتيجية إذا اعتبرت واشنطن أن الطرف المتلقي مرتبط بمؤسسات عسكرية أو بشبكات للتحايل على العقوبات.
ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تشديد الشركات التركية إجراءات الامتثال والتدقيق في هوية العملاء والمستفيدين النهائيين من السلع، خصوصاً في القطاعات التي تتقاطع فيها الاستخدامات المدنية والعسكرية.
حملة اقتصادية تتسع مع تشديد الخناق البحري
تأتي العقوبات الجديدة في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزامنة على التجارة والطاقة والنقل. فوفق وزارة الخزانة الأميركية، أدى الحصار البحري وتراجع عائدات النفط إلى زيادة الاعتماد على قطاعات أخرى للحفاظ على حركة الاقتصاد. وفي المقابل، تشير بيانات حديثة إلى أن بعض حركة الطاقة عبر مضيق هرمز بدأت تستعيد جزءاً من مستوياتها السابقة، ما يعكس محاولة الأسواق والشركات التكيف مع الوضع الأمني المتغير.
لكن واشنطن تبدو مصممة على منع إيران من تعويض خسائر القنوات البحرية عبر منافذ برية وصناعية بديلة. ولذلك تتجه العقوبات تدريجياً إلى كل حلقة يمكن أن تساعد طهران على إبقاء الإنتاج والنقل والتجارة قائمين.
من الضغط المالي إلى إعادة تشكيل سلاسل التجارة
الخطوة الأميركية ضد «تروي تريدينغ» تحمل في النهاية دلالة تتجاوز حجم الشركة نفسها. إنها جزء من انتقال العقوبات من استهداف المؤسسات الإيرانية الكبرى إلى ملاحقة الشبكات التي تجعل الاقتصاد الإيراني قادراً على العمل رغم العزلة.
وبهذا المعنى، لم تعد المعركة تدور فقط حول منع إيران من بيع النفط أو الوصول إلى الدولار، بل حول تعطيل قدرتها على شراء القطع، وتشغيل المصانع، وتحريك البضائع، والحفاظ على الروابط التجارية عبر دول ثالثة.
بالنسبة إلى طهران، يعني ذلك ارتفاع كلفة الالتفاف على العقوبات. وبالنسبة إلى الشركات التركية وغيرها، يعني أن التعامل مع إيران يتطلب حساباً أكثر تعقيداً للمخاطر القانونية والمصرفية والجيوسياسية.
والأخطر بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني أن الضغط يتجه نحو البنية التي تسمح له بتحويل التجارة إلى قدرة إنتاجية واستراتيجية. أما بالنسبة إلى تركيا، فالتحدي يتمثل في الحفاظ على تجارتها الإقليمية مع إيران من دون أن تتحول الشركات العاملة على أراضيها إلى نقاط ضعف في علاقتها مع الولايات المتحدة.
في هذه المعادلة، تكشف قضية «تروي تريدينغ» عن طبيعة المرحلة الجديدة: واشنطن لا تحاول فقط خنق مصادر الإيرادات الإيرانية، بل إعادة رسم مسارات التجارة التي تسمح لطهران بالبقاء متصلة بالاقتصاد العالمي.

