تجتمع اليوم في الرياض، الاثنين الخامس من أكتوبر، القيادات السياسية والعسكرية لتركيا والسعودية وباكستان في إطار اللجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية المنبثقة عن اتفاق مكة للدفاع المشترك، في اجتماع يأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى أمن الخليج والبحر الأحمر واليمن.
ويمثل تركيا في الاجتماع وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس هيئة الأركان العامة الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو، إلى جانب مسؤولين سعوديين وباكستانيين. ووفق وزارة الخارجية التركية، ستتركز المباحثات على التطورات الإقليمية ومسار تحويل الاتفاق الثلاثي إلى إطار أمني مؤسسي قادر على العمل بصورة عملية.
غير أن اجتماع الرياض لا يأتي في فراغ دبلوماسي. فالتصعيد المتجدد في اليمن، والهجمات الحوثية على السعودية، والتطورات المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية، كلها تمنح التحالف الجديد أول اختبار حقيقي لمدى قدرته على الانتقال من إعلان سياسي إلى آلية دفاع جماعي.
واللافت أن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أعلنت في الرابع من أكتوبر بدء عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في وقت كانت فيه الجماعة تحقق تقدماً ميدانياً في محيط تعز وعلى أجزاء من الساحل والطرق المؤدية إلى مناطق استراتيجية.
اتفاق مكة يتحول من إعلان سياسي إلى اختبار أمني
وُقّع اتفاق مكة للدفاع المشترك في السابع من أغسطس بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وينص الاتفاق على مبدأ جوهري يقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي والتنسيق العسكري. ومن الناحية السياسية، يعكس الاتفاق محاولة لبناء صيغة أمنية إقليمية جديدة لا تعتمد حصراً على الترتيبات التقليدية التي حكمت أمن الخليج لعقود.
لكن القيمة الحقيقية لأي تحالف دفاعي لا تُقاس بنصوصه التأسيسية، وإنما بقدرته على تحديد آليات الرد عندما تتعرض إحدى الدول الأعضاء لتهديد فعلي.
وهنا تحديداً تكتسب التطورات الأخيرة في اليمن أهمية استثنائية. فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية، بالتزامن مع التصعيد حول البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تضع مبدأ الدفاع المشترك أمام أول امتحان عملي.
اليمن يرفع سقف التحدي
أعلنت قيادة الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية بدء عملية عسكرية كبيرة بهدف استعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون وإعادة سلطة الدولة إلى كامل الأراضي اليمنية. وجاء الإعلان بعد تصاعد القتال في محيط تعز، حيث حاول الحوثيون قطع طرق استراتيجية، وسط تقارير عن توسع المواجهات على أكثر من جبهة.
وتزداد خطورة التطورات بسبب الموقع الجغرافي لليمن. فالصراع لم يعد مسألة داخلية يمنية فقط، بل يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وفي موازاة التصعيد على الأرض، تعرضت السعودية لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة نُسبت إلى الحوثيين، فيما تحدثت الجماعة عن استهداف منشآت تابعة لشركة أرامكو. ولم يتم التحقق بصورة مستقلة من جميع الأضرار التي أعلنت عنها الجماعة.
وبذلك تتقاطع ثلاثة مستويات من الأمن في اجتماع الرياض: حماية الأراضي السعودية، وتأمين خطوط الملاحة، وتحديد طبيعة الرد الجماعي على الهجمات العابرة للحدود.
باكستان تتقدم عسكرياً وتركيا تتحرك بحذر
تبدو مواقف الدول الثلاث مختلفة من حيث مستوى الالتزام العسكري المباشر.
فباكستان رفعت سقف خطابها بوضوح. وقال وزير الدفاع خواجة محمد آصف إن بلاده مستعدة لتوفير «كل الوسائل المتاحة» للدفاع عن السعودية، في إشارة قوية إلى أن إسلام آباد تنظر إلى الاتفاق باعتباره التزاماً أمنياً حقيقياً، وليس مجرد إطار للتعاون السياسي.
أما تركيا، فتتبنى حتى الآن مقاربة أكثر حذراً. فقد أكد هاكان فيدان استعداد أنقرة لتلبية احتياجات السعودية العسكرية، ولا سيما في المجالات التقنية والدفاعية، لكنه لم يعلن التزاماً بإرسال قوات تركية أو المشاركة المباشرة في عمليات عسكرية داخل اليمن.
وهذا الفارق مهم؛ لأن الاتفاق يفتح الباب أمام مستويات متعددة من التعاون، تبدأ بالإنتاج الدفاعي والتكنولوجيا والتنسيق الاستخباراتي، وقد تصل في ظروف معينة إلى إجراءات عسكرية مشتركة.
ومن المرجح أن تحاول أنقرة في الرياض الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة، بحيث تدعم أمن السعودية وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة، من دون الانجرار تلقائياً إلى حرب مفتوحة في اليمن.
من إسطنبول إلى الرياض: بناء الهيكل المؤسسي
اجتماع الرياض هو الثاني للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية. فقد عقد الاجتماع الأول في إسطنبول في الحادي والثلاثين من أغسطس، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث.
واتفقت الأطراف حينها على إنشاء أمانة عامة في السعودية، يتولى رئاستها في المرحلة الأولى أمين عام باكستاني، إلى جانب تعميق التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا العسكرية والتنسيق بين القوات المسلحة.
وتكشف هذه الخطوات أن التحالف لا يزال في مرحلة بناء مؤسساته. فهو لم يتحول بعد إلى حلف عسكري مكتمل البنية، ولا توجد حتى الآن آليات معلنة تفصيلياً تحدد كيفية اتخاذ قرار التدخل أو توزيع الأدوار العسكرية في حال وقوع هجوم.
ولهذا فإن أحد أهم أهداف اجتماع الرياض هو الانتقال من المبادئ العامة إلى إجراءات عملية: من يدير الاستجابة؟ وكيف يجري التنسيق؟ وما حدود الالتزام العسكري؟ وكيف تتكامل الصناعات الدفاعية والاستخبارات والقدرات الجوية والصاروخية؟
اتصالات نيويورك ومسار التوسع
سبق اجتماع الرياض لقاء ثلاثي لوزراء خارجية الدول الأعضاء في نيويورك في الخامس والعشرين من سبتمبر، حيث جرت مراجعة العمل الفني المتعلق بالاتفاق والتحضير لاجتماع اللجنة السياسية والدفاعية. كما تناولت المشاورات إنشاء الأمانة واللجان ومجموعات العمل الخاصة بالاتفاق.
وفي الوقت نفسه، بدأ الحديث عن إمكانية توسيع التحالف ليضم دولاً أخرى في المنطقة. وكان فيدان قد قال عقب اجتماع إسطنبول إن الاتفاق صُمم بحيث يسمح بانضمام دول جديدة، وقدم التحالف باعتباره نواة لإطار أمني إقليمي أوسع.
وهذه النقطة قد تكون من أكثر القضايا حساسية. فكلما توسعت العضوية، زادت القوة السياسية والجغرافية للتحالف، لكن في المقابل تصبح عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا اختلفت الدول الأعضاء حول طبيعة التهديد أو حدود التدخل العسكري.
هل يتجه الشرق الأوسط نحو منظومة أمن متعددة الأقطاب؟
يتجاوز اتفاق مكة في دلالاته المباشرة مسألة التعاون بين تركيا والسعودية وباكستان. فهو يأتي في بيئة إقليمية تتعرض فيها منظومة الأمن التقليدية لضغوط متزايدة، مع تنامي التساؤلات حول مدى استمرار الاعتماد الخليجي الكامل على المظلة الأمريكية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره محاولة لبناء قدرة إقليمية مستقلة نسبياً، تجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية السعودية، والقدرات الدفاعية والصناعية المتنامية لتركيا، والخبرة العسكرية والردعية الباكستانية.
لكن نجاح هذه الصيغة سيعتمد على عامل حاسم: قدرتها على الجمع بين الردع والدبلوماسية.
ففي الوقت الذي تستعد فيه الدول الثلاث لمناقشة الخيارات الأمنية، ظهرت أيضاً إشارات إلى مسار سياسي محتمل. فقد أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن اجتماع الرياض سيناقش مقترحاً إيرانياً للتعامل سياسياً مع الحوثيين، في محاولة لاحتواء التصعيد بدلاً من الاكتفاء بالرد العسكري. ووصف دار المقترح بأنه مبادرة حسنة النية وليس عرضاً رسمياً مكتمل العناصر.
وهذا يفتح أمام التحالف مسارين متوازيين: بناء قدرة ردع حقيقية، مع إبقاء قنوات الاتصال السياسي مفتوحة.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
يصل اتفاق مكة إلى مرحلة أكثر حساسية مما كان عليه عند توقيعه في أغسطس. ففي غضون أسابيع قليلة، انتقل من إعلان عن تعاون دفاعي جديد إلى إطار يُطلب منه التعامل مع أزمة إقليمية متصاعدة.
وتحتاج السعودية إلى ضمانات أمنية ملموسة، فيما تريد باكستان تأكيد مصداقية التزامها، وتحاول تركيا الموازنة بين دعم أمن الخليج وتجنب التورط في حرب إقليمية مفتوحة.
أما اليمن، فقد يتحول إلى أول ميدان يكشف طبيعة هذا التحالف وحدوده.
فإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل التعاون العسكري والصناعي والسياسي إلى منظومة تنسيق فعالة، فقد يشكل اتفاق مكة نواة لترتيب أمني إقليمي جديد. أما إذا بقي الاتفاق عند مستوى البيانات واللقاءات الدبلوماسية، فإن الهجمات المتصاعدة ستكشف سريعاً الفجوة بين الردع المعلن والقدرة الفعلية على الرد.
وفي جميع الأحوال، فإن اجتماع الرياض لا يمثل مجرد جولة جديدة من اجتماعات التحالف، بل لحظة اختبار مبكرة لمشروع أمني قد يعيد رسم بعض ملامح التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

