لا تبدو أزمة صناديق الاستثمار التي تهز الأسواق المالية التركية مجرد قضية احتيال مالي أو انهيار عدد من الصناديق، بل تكشف، وفقاً للمعطيات والتقييمات التي يطرحها رئيس حزب الديمقراطية والتقدم «ديفا» علي باباجان، عن خلل أعمق في البنية المؤسسية التي يفترض أن تحمي المستثمرين وتضمن نزاهة أسواق رأس المال.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن الخسائر المباشرة المرتبطة بالأزمة قد تتراوح بين 15 و25 مليار دولار، في وقت تبلغ فيه القيمة الإجمالية لقطاع صناديق الاستثمار في تركيا نحو 200 مليار دولار. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن الأزمة لا تمثل حادثاً هامشياً، بل تضرب شريحة قد تصل إلى نحو 10% من حجم القطاع، بما يجعلها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة التركية على حماية الثقة في النظام المالي.
وتتركز الأزمة، بحسب البيانات المتاحة، في نحو 131 صندوقاً استثمارياً من أصل قرابة 3 آلاف صندوق، فيما يقترب عدد الحسابات أو المستثمرين المتضررين من 455 ألفاً. وإذا أضيفت الأسر والأنشطة التجارية التي تعتمد على هذه المدخرات، فإن دائرة التأثير قد تمتد إلى ملايين المواطنين.
وهنا تكمن خطورة الأزمة السياسية والاجتماعية. فالأموال التي اختفت أو فقدت قيمتها ليست مجرد أرقام في دفاتر مالية؛ إنها مدخرات أسر، ورؤوس أموال تجار وحرفيين، وأموال مستثمرين صغار اعتقدوا أن النظام الرقابي للدولة يوفر لهم الحد الأدنى من الحماية.
من أزمة مالية إلى أزمة ثقة مؤسسية
يرى باباجان، الذي تولى حقيبة المالية والاقتصاد في حكومات حزب العدالة والسابقة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب القوانين، بقدر ما تكمن في الطريقة التي جرى بها تطبيقها وإدارة المؤسسات المسؤولة عن تنفيذها.
ويستند هذا الطرح إلى تمييز مهم بين التمويل المصرفي القائم على الديون والفائدة، وبين أسواق رأس المال التي تسمح للشركات بالحصول على التمويل من خلال مشاركة المستثمرين في الملكية والمخاطر والأرباح. فكلما أصبحت الشركات أكثر اعتماداً على القروض، ارتفعت حساسيتها تجاه أسعار الفائدة، بينما يمكن لسوق رأس مال صحي أن يوفر مصدراً أكثر تنوعاً واستدامة للتمويل.
وكان باباجان، خلال عضويته في مجموعة الحكماء الاقتصاديين التابعة لمجموعة العشرين، من الداعين إلى توسيع التمويل القائم على المشاركة وتقليل الاعتماد المفرط على الديون. لكن نجاح هذا النموذج يتطلب شرطاً أساسياً: وجود مؤسسات رقابية مستقلة وقادرة على اكتشاف المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
وهنا يضع باباجان إصبعه على التحول المؤسسي الذي أعقب الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2018. فبحسب رؤيته، أدت إعادة تنظيم مؤسسات الدولة إلى تقليص المساحة العملية لاستقلال هيئات مثل هيئة سوق رأس المال التركية، والبنك المركزي، وهيئة التنظيم والرقابة المصرفية.
المشكلة، في هذا التصور، ليست بالضرورة في النصوص القانونية نفسها. فقانون سوق رأس المال الذي أعيد تنظيمه في عام 2012 ودخل حيز التنفيذ عام 2013 لا يزال يوفر أدوات قانونية مهمة للرقابة والتدخل. لكن قوة القانون تصبح محدودة عندما تضعف استقلالية المؤسسة التي يفترض أن تطبقه.
كيف يمكن أن تتحول السوق إلى بيئة للتلاعب؟
تتضح طبيعة الخلل بصورة أكبر عند النظر إلى آليات تضخيم أسعار بعض الأسهم والصناديق.
إحدى الأدوات المحتملة هي الطروحات العامة الأولية التي تمنح شركات صغيرة جداً تقييماً مرتفعاً بصورة لا تتناسب مع حجمها الحقيقي أو قدرتها الإنتاجية. ويشير باباجان إلى حالات يرى فيها أن شركات ذات عدد محدود جداً من الموظفين أو إمكانات تشغيلية محدودة حصلت على تقييمات سوقية تفوق شركات صناعية كبرى وراسخة.
لكن الخطر لا ينتهي عند الطرح الأولي.
فبعد إدراج السهم في البورصة، يمكن أن تؤدي عمليات تداول محدودة بين أطراف مترابطة إلى خلق سعر سوقي مصطنع. ويُعرف هذا النوع من الممارسات في السوق التركية بتعبير «التداول المغلق». فعندما يرتفع سعر سهم من خلال عدد محدود من الصفقات وبأحجام صغيرة، قد يبدو للمستثمر العادي أن هناك طلباً حقيقياً ومتزايداً على السهم.
ثم تبدأ الحلقة الأخطر: ارتفاع السعر يجذب مستثمرين جدد، ودخول المستثمرين الجدد يدفع السعر إلى مستويات أعلى، فينشأ وهم جماعي بأن قيمة الأصل ترتفع بصورة طبيعية.
وعندما ينكشف الواقع، يكون المستثمر الصغير غالباً آخر من يدخل وأول من يتحمل الخسارة.
أين كانت أجهزة الإنذار؟
السؤال المركزي هنا ليس فقط: من تلاعب؟
بل أيضاً: لماذا لم تكتشف المؤسسات الرقابية التلاعب في وقت مبكر؟
تمتلك تركيا بنية متقدمة نسبياً من حيث البيانات والبنية التحتية المالية، بما في ذلك مركز الإيداع المركزي الذي يوفر معلومات واسعة حول ملكية الأوراق المالية وحركة المستثمرين. كما أن هيئة سوق رأس المال وبورصة إسطنبول تمتلكان أدوات تحليلية تسمح برصد الأنماط غير الطبيعية في التداول.
ولهذا فإن النقاش لا يتعلق فقط بقدرة الدولة التقنية على اكتشاف المخاطر، وإنما بقدرتها المؤسسية على التحرك عندما تظهر الإشارات التحذيرية.
فالرقابة الفعالة لا تبدأ بعد انهيار الصندوق. وظيفتها الأساسية هي منع الوصول إلى لحظة الانهيار.
كما أن دخول شخصيات ذات علاقات سياسية أو اجتماعية إلى المشهد، وظهور بعضها في فعاليات رسمية أو حزبية أو جمعيات مختلفة، يمكن أن يخلق انطباعاً مضللاً بالشرعية. وإذا استُخدمت هذه العلاقات لتسهيل جمع الأموال أو جذب المستثمرين، فإن القضية تتحول من مخالفة مالية محتملة إلى مشكلة أوسع تتعلق بتضارب المصالح واستغلال النفوذ.
تجربة 2001: عندما تحولت الدولة إلى جهة استرداد للأموال
يستحضر باباجان تجربة الأزمة المصرفية التركية عام 2001 باعتبارها مثالاً على إمكانية مواجهة أزمة مالية ضخمة عندما تتوافر الإرادة السياسية والأدوات القانونية.
فقد انهار آنذاك نحو 20 بنكاً، وتحملت الدولة أعباء ضخمة لإعادة تنظيم القطاع وحماية النظام المالي. وأُنشئت لاحقاً منظومة قانونية ومؤسسية أكثر صرامة شملت إصلاح التشريعات المصرفية وتطوير آليات ضمان الودائع وتعزيز صلاحيات صندوق تأمين ودائع الادخار.
وكان القانون رقم 5020 أحد الأدوات التي منحت الصندوق صلاحيات واسعة لملاحقة أصول ملاك البنوك المتورطين واسترداد الأموال داخل تركيا وخارجها.
ويشير باباجان إلى أن الإدارة التي قادها أحمد أرتورك تمكنت من استرداد مبالغ كبيرة، بلغت وفق تقييمه نحو 20 مليار دولار، وهو ما يعادل قيمة أكبر بكثير بالقيمة الحالية.
المغزى السياسي من هذه التجربة واضح: الدولة ليست مضطرة دائماً إلى اختيار الطريق الأسهل، أي تحميل الخزانة العامة تكلفة الخسائر. يمكنها، إذا امتلكت الأدوات القانونية والإرادة المؤسسية، أن تركز أولاً على تعقب الأصول واسترداد الأموال من الأطراف المسؤولة.
كيف يمكن بناء خطة إنقاذ؟
يقترح باباجان التعامل مع الأزمة باعتبارها حالة طوارئ مؤسسية تتطلب إدارة مختلفة عن الإدارة اليومية للهيئات المالية.
أولى الخطوات، في رؤيته، هي تغيير القيادات المسؤولة عن المؤسسات المعنية مؤقتاً، ليس باعتباره حكماً جنائياً على كل شخص، وإنما باعتباره إجراءً احترازياً لاستعادة الثقة. ويستخدم باباجان تشبيهاً بسيطاً: عندما يتعرض سائق لحادث خطير، قد لا يكون من الضروري أن يكون مجرماً، لكن من المنطقي منعه مؤقتاً من قيادة السيارة حتى تتضح أسباب الحادث.
الخطوة الثانية تتمثل في تشكيل فريق عمل مستقل ومصغر يضم نحو سبعة أو ثمانية خبراء في الأسواق المالية والمشتقات والمصارف والقانون المالي. ويكون هذا الفريق مسؤولاً عن إدارة الأزمة بصورة مباشرة، بدلاً من تركها موزعة بين عدة مؤسسات بيروقراطية.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل في إجراء تحقيق شامل من قبل هيئة الرقابة الحكومية في القرارات والإجراءات الإدارية منذ عام 2018، مع الحفاظ على استقلال القضاء عن الإدارة الفنية للأزمة.
وفي موازاة ذلك، يقترح باباجان الاستفادة من الخبرة التي راكمتها « صندوق تأمين ودائع الادخار» في استرداد الأصول، ومنحها، عبر تشريع استثنائي، صلاحيات تمكنها من تجميد وملاحقة أصول المتورطين داخل تركيا، وتعقب الأموال التي ربما نقلت إلى الخارج بمساعدة مكاتب محاماة دولية متخصصة.
أولوية صغار المستثمرين
أما قضية التعويضات، فهي الأكثر حساسية سياسياً واجتماعياً.
فالعدالة لا تعني بالضرورة إعادة كل رقم ظهر في الحسابات قبل انهيار الصندوق. إذا كانت بعض القيم قد تضخمت نتيجة التلاعب، فإن تعويض المستثمرين على أساس تلك القيم الوهمية قد يحول الاحتيال إلى عبء كامل على الخزانة العامة.
لذلك يقترح هذا التصور التمييز بين أصل رأس المال الحقيقي وبين الأرباح التي نتجت عن تضخيم مصطنع للأسعار.
وينبغي أن تكون الأولوية لصغار المستثمرين، ولا سيما مئات الآلاف ممن تقل مدخراتهم عن مليون ليرة. هؤلاء لا يملكون عادة القدرة القانونية أو المالية لملاحقة الأصول في المحاكم أو التعامل مع تعقيدات الأسواق المالية الدولية.
وفي المقابل، يجب ألا تتحول الأزمة إلى عملية نقل شاملة للخسائر الخاصة إلى دافعي الضرائب. فصناديق الاستثمار ليست مساوية للحسابات المصرفية المضمونة من الدولة، ولذلك ينبغي أن يكون استرداد الأموال من الأصول والممتلكات المرتبطة بالمتورطين والمستفيدين هو المسار الأول.
الخطر الأكبر: خروج تركيا من دائرة الأسواق الناشئة
الجانب الدولي للأزمة لا يقل أهمية عن بعدها الداخلي.
فأي تراجع طويل الأمد في الثقة بأسواق رأس المال التركية يمكن أن يؤثر في تقييم المستثمرين الدوليين للبلاد، وفي كلفة التمويل، وفي تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
وتزداد المخاطر إذا بدأت مؤسسات التصنيف والمؤشرات العالمية في التشكيك في قدرة السوق التركية على توفير بيئة شفافة وقابلة للتنبؤ. ومن بين المخاطر التي يشار إليها احتمال إعادة تصنيف تركيا من فئة الأسواق الناشئة إلى فئة الأسواق الحدودية، وهو تحول يمكن أن يؤدي إلى خروج تلقائي لبعض الصناديق التي تستثمر وفق مؤشرات الأسواق الناشئة.
وفي اقتصاد يحتاج باستمرار إلى تدفقات رأس المال الأجنبي، فإن فقدان الثقة قد يكون أكثر كلفة من قيمة الخسائر المباشرة نفسها.
المعركة الحقيقية هي معركة الثقة
في نهاية المطاف، لا تختزل أزمة الصناديق التركية في رقم يتراوح بين 15 و25 مليار دولار، ولا في عدد المستثمرين المتضررين.
المسألة الأعمق هي: هل يستطيع المواطن التركي أن يضع مدخراته في سوق رأس المال وهو يثق بأن المؤسسات الرقابية ستكتشف التلاعب قبل أن يخسر أمواله؟
إذا كانت الإجابة سلبية، فإن المشكلة لا تتوقف عند 131 صندوقاً. إنها تنتقل إلى الشركات السليمة، والبورصة، والبنوك، والاستثمارات الأجنبية، وحتى قدرة الشركات التركية على تمويل نفسها عبر أسواق رأس المال.
ولهذا يرى باباجان أن معالجة الأزمة يجب ألا تكون مجرد عملية تعويض مالي، بل مشروعاً لإعادة بناء المؤسسات.
تركيا لا تحتاج فقط إلى استرداد الأموال المفقودة، بل إلى استرداد شيء أكثر أهمية: ثقة المستثمر في أن القانون يعمل بصورة مستقلة، وأن الرقابة لا تنتظر وقوع الكارثة، وأن العلاقات السياسية لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة.
ومن هذه الزاوية، فإن أزمة الصناديق قد تكون، رغم خطورتها، فرصة لإعادة تأسيس سوق رأس مال أكثر شفافية ومهنية. لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية القصيرة، وإدارة اقتصادية تعتمد على الكفاءة، وقضاء مستقلاً، وهيئات رقابية قادرة على اتخاذ القرار حتى عندما يكون القرار مكلفاً سياسياً.
فالسوق لا يعيش بالأموال وحدها. يعيش قبل كل شيء بالثقة. وعندما تنهار الثقة، فإن استعادتها تكون دائماً أصعب بكثير من استعادة الأموال.

