تتناول أطروحات الكاتب والباحث الأكاديمي التركي أيدوغان وطنداش تقاطعاً مثيراً بين الفن الكلاسيكي، والنصوص المقدسة، والظواهر الجوية غير المفسرة، حيث يرى أن العقل البشري يعيد قراءة الرموز القديمة وفقاً للمرشحات الذهنية لكل عصر. ويستعرض وطنداش هذا التشابك من خلال تحليل دقيق للأعمال الفنية والنصوص الدينية، رابطاً إياها بالواقع الجيوسياسي المعاصر.
تجليات “الأطباق الطائرة” في الفن الكلاسيكي وما وراء الرمزية
في فيديو نشره على موقع يوتيوب، يشير الباحث أيدوغان وطنداش إلى أن تاريخ الفن يطرح أحياناً تساؤلات مربكة تتجاوز حدود الخيال في زمنها؛ ومن أبرز الأمثلة لوحة “تعميد المسيح” للفنان الهولندي أيرت دي جيلدر (حوالي عام 1710)، الموجودة في متحف فيتزويليام. يوضح وطنداش أن هذه اللوحة ليست مجرد مشهد ديني تقليدي، بل تظهر في جزئها العلوي هيئة سماوية دائرية داكنة تنبعث منها أشعة ضوئية مكثفة نحو الأسفل، وهو ما يثير في ذهن المشاهد المعاصر صورة “طبق طائر”. وما يجعل هذا العمل استثنائياً هو أن دي جيلدر، بصفته أحد تلاميذ رامبرانت المتأخرين، لم يصور التدخل الإلهي كوهج تجريدي أو أسراب ملائكية كما جرت العادة، بل جسده في هيكل مركزي مادي ومسيطر.

وفي السياق ذاته، يستشهد أيدوغان وطنداش بلوحة جدارية في دير “فيسوكي ديشاني” في كوسوفو تعود لعام 1350 تقريباً، حيث يظهر مشهد الصلب محاطاً بأشكال تشبه الأقراص الطائرة التي تحتوي داخلها على شخصيات بشرية، وتوحي أشكالها الديناميكية الهوائية وخطوطها الإشعاعية بجماليات الخيال العلمي الحديث. ويرى الباحث أن هذا ليس مجرد صدفة، بل هو تجسيد لكيفية تصور العقل البشري للقوى السماوية عبر العصور، حيث ترجم إنسان العصور الوسطى هذه الظواهر كمركبات نارية أو كرات سماوية، بينما يميل الإنسان المعاصر لتفسيرها كتقنيات فضائية.
مفهوم “السحاب” والظواهر الكونية في النصوص المقدسة
يربط أيدوغان وطنداش بين رمزية “السحاب” في التقاليد الدينية والظواهر الجوية الغامضة؛ ففي الفكر اليهودي والمسيحي، يمثل السحاب الحد الفاصل بين العالم المرئي وغير المرئي، وهو علامة على ظهور السلطة السماوية. ويشير وطنداش إلى أن ذكر صعود المسيح في “أعمال الرسل” وكيف حجبته سحابة عن الأعين يتوازى مع أوصاف حديثة لأجسام تخرج من ضباب لامع أو كتل سماوية متغيرة الأشكال.
أما في المنظور الإسلامي، فيتوقف أيدوغان وطنداش عند آيات سورة النساء التي تتحدث عن رفع الله للمسيح إليه، مؤكداً أن القرآن الكريم لم يذكر تفاصيل مادية بصرية لعملية الرفع كما في الإنجيل، بل ركز على الحماية الإلهية والانتقال إلى مستوى وجودي آخر. كما يتناول الباحث حادثة “المعراج” للنبي محمد ﷺ، مشيراً إلى أن كلمة “البراق” مشتقة من “البرق”، وهو ما دفع باحثين معاصرين مثل الدكتور عمر أتيلا إرجي إلى مقارنة هذا الوصف بمفاهيم السرعة الفائقة والتقنيات الضوئية.
الانفتاح السياسي والتحول من الميتافيزيقا إلى “التكنولوجيا الفائقة”
ينتقل أيدوغان وطنداش لتحليل الموقف المعاصر، خاصة مع كسر الحكومة الأمريكية لعقود من الصمت حول ظاهرة الأجسام الطائرة. ويلاحظ الباحث تبايناً في التفسيرات؛ فبينما يرى المحافظون الأمريكيون والسياسيون مثل دونالد ترامب الظاهرة من منظور خلفياتهم الثقافية والدينية المرتبطة بالملائكة أو الجن، ينظر إليها العسكريون كقضية أمن قومي، في حين يفسرها الدكتور ستيفن جرير كحضارات ذات وعي عالٍ تهدف لإرشاد البشرية.
ويستحضر وطنداش مقولة آرثر سي كلارك الشهيرة: “أي تكنولوجيا متطورة بما يكفي لا يمكن تمييزها عن السحر”، محذراً من أن إعادة تصنيف ما كان يعتبر “معجزات” كـ “تكنولوجيا فائقة” سيؤدي إلى طمس الحدود بين الدين والخيال العلمي.
المعضلة السيكولوجية: لماذا نتقبل “الملائكة” ونخشى “الفضائيين”؟
يطرح أيدوغان وطنداش تساؤلاً فلسفياً حول سبب تقبل الناس لوجود الملائكة والجن بسهولة مقارنة بمصطلح “كائن فضائي”. ويفسر ذلك بأن الملائكة والجن يستمدون شرعيتهم من النصوص المقدسة وهم جزء من نظام إلهي مفهوم لا يهدد المركزية البشرية. في المقابل، يرتبط مفهوم “الفضائيين” في الذهن البشري بالخيال العلمي والسينما، مما يضعف من جديته، كما أن فكرة وجود حضارة متفوقة غير خاضعة للسيطرة تزعزع الأنظمة المعرفية القائمة. ويرى الباحث أن إبقاء هذه الظواهر في الإطار “الميتافيزيقي” يوفر شعوراً بالأمان، بينما نقلها إلى الواقع “المادي” كحضارات فيزيائية يعد أمراً صادماً نفسياً، وهو ما تحاول القوى السياسية إدارته تدريجياً في الوقت الراهن.
خلاصة
يؤكد أيدوغان وطنداش أن ظاهرة الأطباق الطائرة تمثل نقطة التقاء تاريخية بين الرموز الدينية القديمة والتقنيات المستقبلية، حيث يعيد العقل البشري صياغة “المقدس” بلغة تكنولوجية معاصرة. هذا التحول لا يغير فقط فهمنا للتاريخ والفن، بل يفرض إعادة نظر شاملة في علاقتنا بالكون وبالقوى التي نعتبرها ما وراء طبيعية.

