تجلت ملامح زلزال سياسي في أروقة المعارضة التركية مع إعلان مائتين وثمانين برلمانياً سابقاً من حزب الشعب الجمهوري (CHP) استقالتهم الجماعية، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إسناد “الحزب الجديد” الذي دشنه أوزغور أوزيل. هذا الانشقاق الواسع، الذي جاء بعد أيام قليلة من إطلاق الحركة الجديدة، يعكس انقساماً غائراً في صفوف التيار المعارض، مدفوعاً برغبة هؤلاء الساسة في دعم زعامة أوزيل التي حظيت بتأييد لافت رغم التحديات القانونية التي واجهتها.
جذور الأزمة والتحول القضائي
تعود مسببات هذا التصدع إلى قرار مفصلي أصدرته محكمة الاستئناف في أنقرة في شهر مايو الماضي، حيث قضت بإلغاء نتائج المؤتمر العام للحزب المنعقد في نوفمبر ٢٠٢٣، بناءً على مزاعم تتعلق بشراء الأصوات والتلاعب بالنتائج. هذا الحكم القضائي أدى إلى إقصاء أوزيل وهيئاته القيادية المنتخبة، وإعادة سلفه كمال كليتشدار أوغلو إلى سدة الرئاسة الحزبية، وهو ما وصفه معسكر أوزيل بأنه تدخل قضائي مسيس يهدف إلى تقويض المسار الديمقراطي داخل الحزب. ومن الجدير بالذكر أن أوزيل كان قد فاز بقيادة الحزب عقب خسارة كليتشدار أوغلو في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٣، وقاد الحزب لتحقيق انتصار تاريخي في الانتخابات المحلية في مارس ٢٠٢٤.
إعادة تشكيل خارطة البرلمان
لم يتوقف أثر الانشقاق عند الحدود التنظيمية، بل أحدث انقلاباً في موازين القوى البرلمانية؛ فبعد استقالة أوزيل وتسعين نائباً حالياً وتأسيسهم “الحزب الجديد”، أصبح لديهم واحد وتسعون مقعداً في البرلمان التركي المكون من ستمائة عضو. بهذا الثقل البرلماني، انتزع الكيان الجديد صفة “المعارضة الرئيسية” من حزب الشعب الجمهوري، الذي تقلص تمثيله إلى أربعة وأربعين مقعداً فقط، ليتراجع إلى المرتبة الخامسة بين الكتل السياسية. وفي تصعيد للموقف، أعلن أوزيل صراحةً رفضه الاعتراف بشرعية الإدارة الحالية لحزب الشعب الجمهوري، مؤكداً أنه لن يتعامل مع قيادة “معينة قضائياً” وغير منتخبة، بعدما استنفد أنصاره كافة السبل القانونية المتاحة للإصلاح من الداخل.
الرؤية السياسية والمنطلقات الأيديولوجية
أكد البرلمانيون المستقيلون في بيانهم أن مغادرتهم للحزب العريق نابعة من شعور بالمسؤولية تجاه القيم الجوهرية للحزب ومستقبل تركيا، مشددين على التزامهم بمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، والتعددية، والديمقراطية الاجتماعية، إضافة إلى المبادئ التأسيسية للجمهورية التركية. وطالب المنشقون بضرورة تفعيل الديمقراطية الداخلية وإجراء انتخابات تمهيدية تشارك فيها كافة القواعد الحزبية، واصفين خروجهم بأنه إجراء “مؤقت” يهدف إلى حماية جوهر الحزب إلى حين استعادة شخصيته القانونية المستلبة.
الصراع على “التطهير” واتهامات الفساد
في المقابل، تبنى كمال كليتشدار أوغلو نبرة حادة تجاه المنشقين، معتبراً أن الحزب قد أتم عملية “تطهير” لاستبعاد الشخصيات المتورطة في قضايا فساد، مؤكداً عدم وجود مكان لهؤلاء في صفوف الحزب. وتتقاطع هذه الرواية مع الحملة الواسعة التي شنتها السلطات ضد حزب الشعب الجمهوري عقب انتصاره في الانتخابات المحلية ٢٠٢٤، والتي أسفرت عن سجن ما لا يقل عن سبعة وعشرين رئيساً للبلديات واعتقال مئات المسؤولين بتهم تتعلق بالفساد. وبينما تنفي الحكومة التدخل في القضاء، يرى فريق أوزيل أن هذه الملاحقات هي جزء من حملة ممنهجة لتحييد المنافسين المنتخبين للرئيس رجب طيب أردوغان.
سياقات إقليمية ومحلية مؤثرة
برز أوزغور أوزيل كوجه قيادي للمعارضة في ظل ظروف معقدة، خاصة بعد سجن رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في مارس ٢٠٢٥ بتهم فساد اعتبرتها المعارضة كيدية وسياسية. وفي ظل هذه التجاذبات، فضل عمدة إزمير، جميل توغاي، الاستقالة من الحزب والعمل كعضو مستقل، قاطعاً الطريق أمام الشائعات التي تكهنت بانضمامه إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم.
تحليل المشهد المستقبلي
إن هذا الانقسام يمثل مرحلة جديدة من إعادة تعريف المعارضة التركية؛ فبينما يتمسك الحرس القديم بشرعية تاريخية وقانونية معززة بقرارات المحاكم، يراهن التيار الجديد بقيادة أوزيل على شرعية الصندوق والنجاحات الانتخابية الأخيرة. يظهر “الحزب الجديد” كبديل يسعى لملء الفراغ الذي تركه تعطل آليات الديمقراطية الداخلية في الحزب التقليدي، مستفيداً من رصيد الانتخابات المحلية، في حين تظل الضغوط القضائية والاتهامات بالفساد أداة ضغط تؤثر بعمق على تماسك الجبهة المعارضة في مواجهة السلطة الحاكمة.

