تستعد لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان في مجلس النواب الأميركي لعقد جلسة استماع مخصصة لتقييم أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام داخل واشنطن بمسار النظام السياسي التركي وتوجهاته خلال السنوات الأخيرة.
الجلسة، التي يترأسها النائب الجمهوري كريس سميث، تحمل عنواناً دالاً: “هل تستطيع تركيا العودة إلى طريق الحرية؟ بين ترسيخ السلطوية والدفاع عن الديمقراطية”، وهو عنوان يعكس بوضوح طبيعة النقاش المتوقع داخل أروقة الكونغرس، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على رصد الانتهاكات، بل بات يتناول مستقبل النظام السياسي التركي نفسه.
ومن المقرر عقد الجلسة في مبنى رايبورن بمجلس النواب عند الساعة الثانية بعد ظهر الأربعاء، مع إتاحتها عبر البث المباشر، ما يعكس رغبة في توسيع دائرة المتابعة السياسية والإعلامية لها.
خلفية متصاعدة: قلق أميركي من المسار الداخلي
تأتي هذه الجلسة في سياق تصاعد القلق داخل واشنطن من سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، خصوصاً ما يتعلق بالتضييق على المعارضة السياسية، والصحفيين، ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى استهداف منتقدين في الداخل والخارج.
ووفقاً لإفادات حقوقية، لا يزال أكثر من 15 ألف سجين سياسي في السجون التركية، بينهم صحفيون ومحامون وأكاديميون ومسؤولون منتخبون ونشطاء، وهو رقم يعكس حجم الأزمة من منظور المؤسسات الحقوقية الغربية.
كما يشير المنظمون إلى أن السلطات التركية كثفت إجراءاتها بعد التراجع الانتخابي الذي مُني به حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية لعام 2024، وهي الانتخابات التي شكلت نقطة تحول بارزة في المشهد السياسي الداخلي.
المعارضة تحت الضغط: أزمة حزب الشعب الجمهوري
يتزامن انعقاد الجلسة مع تطورات لافتة داخل المعارضة التركية، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، الذي حقق فوزاً تاريخياً في الانتخابات البلدية الأخيرة، محتفظاً بإسطنبول وأنقرة وموسّعاً نفوذه في مدن كبرى.
غير أن هذا التقدم تعرض لانتكاسة قانونية وسياسية بعد قرار قضائي صدر في 21 مايو يقضي بإلغاء مؤتمر الحزب لعام 2023، ما أدى عملياً إلى إزاحة زعيمه أوزغور أوزل وإعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى الواجهة.
وقد وصف الحزب القرار بأنه ذو دوافع سياسية، ويهدف إلى إضعاف المعارضة قبيل أي استحقاق انتخابي قادم، في ظل بيئة سياسية تتسم بتزايد التدخل القضائي في الحياة الحزبية.
استهداف القيادات المحلية: حالة إمام أوغلو
ضمن سياق الضغوط على المعارضة، تبرز قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز المنافسين المحتملين لأردوغان في أي انتخابات رئاسية مقبلة.
فقد واجه إمام أوغلو سلسلة من القضايا الجنائية التي انتهت بسجنه، وهو ما يراه أنصاره محاولة لإقصائه سياسياً، في حين تؤكد السلطات التركية أن الإجراءات قانونية.
محاور الجلسة: من القضاء إلى حرية التعبير
ستتناول جلسة الاستماع مجموعة من الملفات الجوهرية، تشمل:
- مزاعم الاضطهاد السياسي واستهداف المعارضين.
- شبهات التلاعب بالعمليات الانتخابية.
- تراجع استقلال القضاء وإشكاليات العدالة.
- القيود المفروضة على حرية التعبير والإعلام.
كما ستبحث الجلسة في فرص استعادة المعايير الديمقراطية، بما في ذلك إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وضمان استقلال المؤسسات القضائية.
الإعلام والفضاء الرقمي: رقابة متزايدة
تشير المعطيات إلى توسع القيود المفروضة على الإعلام والإنترنت، من خلال حجب محتوى رقمي ومنصات إخبارية معارضة، إلى جانب ملاحقة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عبر قوانين تتعلق بالإرهاب أو إهانة الدولة.
وقد أصبحت هذه القوانين، بصيغها الواسعة، أداة رئيسية لملاحقة طيف واسع من الفاعلين، من صحفيين إلى مواطنين عاديين، بسبب تصريحات أو منشورات رقمية.
الأقليات الدينية والعرقية: ملف مفتوح
تتطرق الجلسة أيضاً إلى أوضاع الأقليات، لا سيما القيود المفروضة على البطريركية المسكونية في القسطنطينية، واستمرار إغلاق مدرسة “هالكي” اللاهوتية منذ عام 1971، رغم المطالب الأميركية والدولية بإعادة فتحها.
القمع العابر للحدود: البعد الدولي للأزمة
أحد أبرز المحاور التي ستناقشها اللجنة هو ما يُعرف بـ”القمع العابر للحدود”، في إشارة إلى ملاحقة المعارضين خارج تركيا، خصوصاً المرتبطين بحركة غولن.
ومنذ محاولة الانقلاب عام 2016، شنت أنقرة حملات اعتقال واسعة ومصادرات للأصول بحق المتهمين بالارتباط بالحركة، التي تتهمها بتدبير الانقلاب، وهو ما تنفيه الحركة.
في المقابل، ترى منظمات حقوقية وخبراء أمميون أن تصنيف الحركة كتنظيم إرهابي واستخدامه كأساس قانوني للملاحقات يمثل انتهاكاً لمبادئ قانونية أساسية.
الشهود: أصوات بحثية وخبرات مباشرة
تضم قائمة الشهود شخصيات أكاديمية وبحثية بارزة، منها هنري باركي، ومايكل روبن، وسركان غولجه الذي سبق أن سُجن في تركيا، إضافة إلى أندرو أودونوهو.
ويُتوقع أن تقدم هذه الشهادات مزيجاً من التحليل الأكاديمي والتجربة الشخصية، ما يمنح الجلسة بعداً توثيقياً وسياسياً في آن واحد.
العلاقات الأميركية – التركية: شراكة معقدة
تعقد هذه الجلسة في ظل علاقة مركبة بين واشنطن وأنقرة. فعلى الرغم من التوترات التي سادت لسنوات بسبب ملفات الدفاع والسياسة الإقليمية وحقوق الإنسان، شهدت العلاقات تحسناً نسبياً في ظل إدارة دونالد ترامب، الذي حافظ على علاقة شخصية وثيقة مع أردوغان.
غير أن هذا التحسن لم يُلغِ الخلافات البنيوية، خاصة في ما يتعلق بالحكم الديمقراطي وسيادة القانون، وهو ما يعيد طرح تساؤلات داخل الكونغرس حول كيفية التوازن بين المصالح الاستراتيجية والقيم السياسية.
أبعاد الجلسة: ما الذي تريده واشنطن؟
لن تقتصر الجلسة على التقييم، بل ستمتد إلى بحث الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة والكونغرس لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا.
وهنا يبرز نقاش أوسع داخل واشنطن حول أدوات التأثير الممكنة، بين الضغوط السياسية والعقوبات، وبين الحفاظ على الشراكة مع دولة عضو في حلف الناتو تلعب دوراً محورياً في ملفات إقليمية حساسة.
دلالات
تعكس هذه الجلسة تحولاً في المقاربة الأميركية، من إدارة الخلاف مع أنقرة إلى إعادة تقييم طبيعة النظام السياسي التركي ذاته. كما تكشف أن ملف حقوق الإنسان بات جزءاً من معادلة أوسع تشمل التوازنات الجيوسياسية.
في المقابل، تدرك أنقرة أن هذه الضغوط، رغم رمزيتها السياسية، لا تزال محكومة بسقف المصالح الاستراتيجية، ما يمنحها هامش مناورة، لكنه لا يلغي التحديات المتزايدة على صورتها الدولية.
خلاصة
جلسة الكونغرس تمثل مؤشراً على تصاعد التدقيق الأميركي في المسار السياسي التركي، لكنها لا تعني بالضرورة تحولاً فورياً في السياسات. التوتر بين الشراكة الاستراتيجية والانتقادات الحقوقية سيبقى السمة الأبرز في العلاقة بين واشنطن وأنقرة.

