يرى الكاتب والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو أن قضية اغتيال الزعيم القومي المحافظ الراحل محسن يازجي أوغلو في 25 مارس 2009 عن طريق إسقاط مروحيته عادت لتطفو على السطح مجدداً، ليس من أجل كشف الحقيقة، بل في محاولة لربطها بجماعة فتح الله كولن وتبرئة الجناة الحقيقيين الذين تظهر بصماتهم بوضوح في ثنايا الملف.
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتويب، يؤكد أوسلو أن ثمة تفاصيل حرجة تم تجاهلها عمداً، مثل الدور الذي لعبه والي مدينة قيصري آنذاك، والمعلومات المضللة التي تلقاها من عسكريين، والذين تبين لاحقاً أنهم ينتمون لتنظيمات الدولة العميقة مثل تنظيم “أرغنيكون”.
مؤشرات التواطؤ وعلامات الاستفهام الكبرى
يشير أوسلو إلى أن جوهر القضية لا يكمن فيمن تم استجوابهم، بل في الشخصيات التي لم تجرؤ السلطات على توجيه سؤال واحد إليها. ومن أبرز هذه الأسماء “شيرين أونال” القريب من القريب من الحكومة، والذي كان يرأس وحدة البحث والإنقاذ في الأركان العامة، والذي ارتبط اسمه لاحقاً بأحداث الفوضى في ليلة الانقلاب الغامض عام ٢٠١٦، ومع ذلك لم يُسأل عن تقصيره في الوصول إلى حطام الطائرة التي بقيت مفقودة لـ 48 ساعة رغم أنها كانت قريبة جداً. هذا النهج في التحقيق يذكرنا -حسب رؤية المحلل- بتعامل السلطة مع أحداث الانقلاب، حيث تم استبعاد استجواب رؤوس الهرم الأمني مثل هاكان فيدان وخلوصي أكار، مما يوحي بأن الهدف هو طمس الحقائق وليس كشفها.
يازجي أوغلو ومواجهة اختراق “أرغنيكون“
يوضح أوسلو أن الراحل يازجي أوغلو كان يدرك تماماً طبيعة تنظيم “أرغنيكون” ومحاولاتها التغلغل في نسيج المجتمع التركي. فقد حاول هذا التنظيم مراراً جر حزب “الاتحاد الكبير” الذي قاده الراحل، ومنظمة “ألبيرن أوجاكلاري” التابعة له، إلى ساحة الفوضى عبر عمليات اغتيال سياسية، مثل قضية الكاهن الكاثوليكي أندريا سانتورو في 5 فبراير 2006 داخل كنيسة “سانتا ماريا” في مدينة طرابزون واغتيال الصحفي أرمني الأصل هرانت دينك في إسطنبول.
ويكشف أوسلو، استناداً إلى تصريحات مصورة تاريخية ليازجي أوغلو، أن الزعيم الراحل اتخذ موقفاً مبدئياً منحازاً لسيادة القانون والدولة الديمقراطية، رافضاً أن يكون حزبه أداة في يد الدولة العميقة لإشعال فتنة عرقية أو مذهبية بين الأكراد والأتراك، أو بين العلويين والسنة. ويستشهد المحلل بموقف يازجي أوغلو البطولي خلال أحداث فندق “مادماك في مدينة سيواس في تسعينات القرن المنصرم بهدف الإيقاع بين السنة والطائفة العلوية في البلاد، حيث ساهم حزبه في إنقاذ المحاصرين من الحريق الذي أشعله مجهولون مغرضون، مما يعكس رؤيته الوطنية الرافضة للاستقطاب.
كشف “الصفقة السرية” بين أردوغان والدولة العميقة
تعد النقطة الأكثر إثارة للجدل في تحليل أمره أوسلو هي ما وصفه بـ“التنبؤ الدقيق“ ليازجي أوغلو قبل وفاته بشهرين فقط. ففي حوار أجراه في يناير 2009، صرح يازجي أوغلو في حوار مصور بأن هناك مؤشرات واضحة على حدوث “اتفاق مستتر“ بين حكومة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وتنظيم أرغنيكون / الدولة العميقة.
ويقول الراحل يازجي أوغلو في حواره المصور حول مضمون الاتفاق أو الصفقة المذكورة بين أردوغان وأرغنيكون: “مقابل عدم إقدام المحكمة الدستورية على إغلاق حزب العدالة والتنمية (٢٠٠٧)، تلتزم الحكومة بفرملة تحقيقات “أرغنيكون” ومنع وصولها إلى القيادات العليا في الجيش. حيث أعلن أردوغان صراحة عن استيائه من موجات الاعتقال التي طالت أبرز الجنرالات في الجيش. وكذلك اتفق الطرفان على تحويل القضية من عملية تطهير شاملة للدولة العميقة (على غرار تجربة “الأيدي النظيفة” ضد تنظيم غلاديو في إيطاليا) إلى مجرد عرض إعلامي يتم فيه التضحية بأسماء ثانوية مع الحفاظ على هيكل التنظيم الأساسي”، على حد تعبيره.
ويضيف أوسلو أن الواقع الراهن يثبت صحة هذه الرؤية؛ فحكومة أردوغان التي كانت تدعي محاربة تنطيم “أرغنيكون”، الذي كان يمثل النواة الصلبة للدولة الكمالية العلمانية، انتهت بتبني أجندة هذا التنظيم الذي فرضها من خلال الانقلاب الناعم في ٢٨ فبراير ١٩٩٧، واتجهت بعد ظهور فضائح الفساد الكبرى في عام ٢٠١٣ إلى تنفيذ القمع ذاته ضد المتدينين والمعارضين، مما يؤكد أن التحالف مع أرغنيكون / الدولة العميقة أصبح هو العمود الفقري للحكم الحالي.
هل كان ثمن كشف الحقيقة هو التصفية؟
يتساءل أوسلو بمرارة: هل قُتل يازجي أوغلو لأنه جهر بوجود هذه الصفقة؟ ويستعرض تفاصيل مريبة سبقت الحادث، مثل منح “تقرير صلاحية طيران” لمروحية لم تكن مؤهلة، وتعميد تضليل فرق البحث وإرسال العسكريين إلى وجهات خاطئة، ومنع القرويين من الوصول إلى موقع الحطام.
ويرى المحلل أن يازجي أوغلو، بخلفيته التي تعاملت مع “الدولة العميقة” منذ ما قبل انقلاب ١٢ أيلول ١٩٨٠ وفهمه العميق لأساليبها، كان يشكل خطراً حقيقياً على التحالف الجديد بين أردوغان وجنرالات أرغنيكون. فقد كان يازجي أوغلو يطمح لدولة قانون شفافة، بينما كان التحالف يسعى لإعادة إنتاج “الدولة العميقة” بوجوه جديدة.
تحليل ختامي وتطورات سياقية
ما طرحه أمره أوسلو يتقاطع مع التحولات الدراماتيكية في السياسة التركية بعد عام 2014، حيث تحول الخصوم القدامى (القوميون بجناحيهم القومي العلماني والقومي المحافظ) أو (فريق زعيم حزب الوطن دوغو برينجك وفريق رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي) إلى حلفاء وثيقين لأردوغان. إن تجميد قضية يازجي أوغلو وتوجيه الاتهام فيها نحو “خصم سياسي” جاهز (جماعة كولن أو حركة الخدمة) يخدم الطرفين: فهو يغلق ملف الجناة الحقيقيين من جهة، ويمنح السلطة أداة دعائية جديدة من جهة أخرى.
ختاماً، يؤكد أوسلو أن يازجي أوغلو لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان شاهداً ملكاً على ولادة تحالف مشبوه، ويبدو أن صوته كان يجب أن يصمت لكي تكتمل أركان تلك الصفقة التي تحكم تركيا اليوم.

