تفاعلت الأوساط السياسية والقانونية في تركيا مع إعلان مكتب المدعي العام في إسطنبول فتح تحقيق رسمي يستهدف مجموعة من الصحفيين، على خلفية تقرير استقصائي كشف عن استعانة القيادة الحالية لحزب الشعب الجمهوري (CHP) بوكالات “كاستينغ” لتزويد فعالياتها الحزبية بجمهور مأجور. التحقيق، الذي جاء بناءً على بلاغ جنائي قدمه “غورسيل تكين”، رئيس تنظيم الحزب في إسطنبول المعين بقرار قضائي، يضع حرية الصحافة في مواجهة مباشرة مع النزاعات المحتدمة داخل كبرى أحزاب المعارضة التركية.
كواليس “صناعة الجماهير”: تفاصيل الاختراق الصحفي
بدأت خيوط القضية عندما قامت الصحفية “إيبرو تشيليك” من صحيفة “بيرجون” (BirGün) بعملية اختراق مهنية، حيث سجلت نفسها كـ “كومبارس” لدى إحدى وكالات التمثيل استجابةً لإعلان يطلب عمالة مأجورة لحضور “تجمع حزبي” لمدة أربع ساعات مقابل 950 ليرة تركية (حوالي 20 دولاراً). وكشف التقرير أن المشاركين، الذين لم يتم إبلاغهم في البداية بهوية الحزب، جُمعوا أمام مركز تسوق في منطقة “مجيدية كوي” ونُقلوا عبر نحو 20 حافلة “شاتل” إلى مقر الحفل في منطقة “أياز آغا” بحي “ساريير”.
وثقت الصحيفة بالصور والرسائل ومقاطع الفيديو كافة مراحل العملية، بدءاً من الحشد والتموين وصولاً إلى التجهيزات داخل القاعة. وتضمنت قائمة “المشاركين المأجورين” فئات متنوعة شملت عاطلين عن العمل، ومتقاعدين، ومعلمين ينتظرون التعيين الحكومي، بالإضافة إلى مهاجرين من إيران ومصر وأوزبكستان. والمثير للاهتمام أن عدداً كبيراً من هؤلاء لم تكن لهم أي صلة سياسية بحزب الشعب الجمهوري أو زعيمه “كمال كليجدار أوغلو”، بل إن بعضهم اعتقد أن العمل يتعلق بتصوير فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو إعلان تجاري.
الإخراج السياسي والتدريب على الهتاف
لم يقتصر الأمر على مجرد الحضور العددي، بل تضمن التقرير كشفاً لآليات “توجيه الجماهير” داخل القاعة؛ حيث قام موظفو وكالات “الكاستينغ” بتنظيم بروفات للهتافات المؤيدة لـ “كليجدار أوغلو”، مثل “كليجدار أوغلو هو أمل الشعب” و”الحق، القانون، العدالة” و”البطل كمال”. كما وُزع المشاركون بشكل استراتيجي في أنحاء القاعة مع تعليمات محددة حول متى يجب التصفيق، أو التصفير، أو التلويح بالأعلام التركية وأعلام الحزب أثناء خطابات “كليجدار أوغلو” و”غورسيل تكين”.
ورصدت “تشيليك” قيام منظمين بمنح سترات “فرع الشباب” التابع للحزب لنحو 50 مشاركاً من الذكور لتصدير صورة الشباب الحزبي المتحمس. ومع ذلك، ظهرت بوادر تململ بين الحشود؛ إذ رفض البعض حمل الأعلام، وصرح أحدهم علانية بأنه يدعم عمدة إسطنبول المسجون “أكرم إمام أوغلو” قائلاً: “سآخذ أموالي وأغادر”. كما زعم التقرير أن المشاركين مُنعوا من مغادرة القاعة، حتى لاستخدام دورات المياه أو استنشاق الهواء، طوال فترة الخطابات التي استمرت ثلاث ساعات.
الصراع على الشرعية: سياق الأزمة الداخلية في حزب الشعب
تأتي هذه الواقعة في خضم أزمة قيادة حادة يعيشها حزب الشعب الجمهوري؛ ففي مايو الماضي، ألغت محكمة تركية نتائج مؤتمر الحزب المنعقد في نوفمبر 2023 بسبب ادعاءات “شراء الأصوات”، مما أدى إلى إطاحة “أوزغور أوزيل” من رئاسة الحزب وإعادة “كمال كليجدار أوغلو” إلى منصبه بقرار قضائي. هذا التخبط القانوني أدى إلى انشقاق “أوزيل” الذي أسس “الحزب الجديد” مع 90 نائباً، مما يجعله القوة المعارضة الأكبر في البرلمان بمجرد تسجيل مجموعته رسمياً، متجاوزاً بذلك حزبه القديم.
وفي ظل سجن “أكرم إمام أوغلو” بتهم فساد يصفها الحزب بأنها “مسيسة”، واعتقال ما لا يقل عن 27 من رؤساء بلديات الحزب، يبدو أن القيادة الحالية برئاسة “كليجدار أوغلو” كانت تسعى عبر فعالية “تقليد الشارات” في 25 يوليو إلى إثبات قدرتها على الحشد الجماهيري واستعادة الزخم الشعبي، وهو ما حوله التقرير الصحفي إلى “فضيحة تزييف”.
الملاحقة القضائية وسلاح “قانون التضليل“
في الجانب القانوني، يتهم بلاغ “غورسيل تكين” الصحفيين بـ “الإهانة والقذف ونشر معلومات مضللة علناً”، مطالباً بملاحقة “إيبرو تشيليك” ومنسقي النشر في صحيفة “بيرجون” (أوغور كوتش وبركانت غولتكين)، بالإضافة إلى مراسل قناة (Sözcü TV) وممثليها. وتستند هذه الاتهامات إلى المادة 217/أ من قانون العقوبات التركي، المعروف بـ “قانون التضليل” الذي أُقر في أكتوبر 2022، والذي يفرض عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات بتهمة نشر معلومات كاذبة.
ورغم نفي قيادة الحزب القاطع لهذه الادعاءات واتهام الصحفيين بعدم منح الحزب فرصة للرد، تمسكت صحيفة “بيرجون” بصحة تقريرها، مؤكدة أنه نموذج لـ”صحافة الملاحظة المشاركة” القائمة على أدلة ملموسة، مشيرة إلى أن صحفيتها رفضت استلام مبلغ الـ 950 ليرة الذي عُرض عليها.
إدانات حقوقية وتحذيرات من قمع الصحافة
أثارت الملاحقة الجنائية موجة تنديد من منظمات الدفاع عن الصحافة؛ حيث اعتبرت “جمعية الصحفيين المعاصرين” (ÇGD) أن محاولة تشويه سمعة الصحفيين عبر وصفهم بـ”المأجورين” تمثل هجوماً مباشراً على حرية الصحافة. ومن جانبه، أكد اتحاد “ديسك باسين-إيش” أن استخدام الإنكار كذريعة لإهانة الصحفيين أمر غير مقبول، مشدداً على أن الرد على التقارير الصحفية يجب أن يكون عبر الأدلة والمستندات، وليس عبر التهديدات والملاحقات القضائية. وتعيد هذه القضية إلى الأذهان تحذيرات “لجنة البندقية” التابعة للمجلس الأوروبي بشأن غموض “قانون التضليل” التركي وتأثيره السلبي الذي قد يؤدي إلى خنق حرية التعبير في البلاد.

