تشهد الساحة السياسية التركية مخاضاً عسيراً يعيد رسم خارطة القوى التقليدية، حيث يبرز حزب الشعب الجمهوري كمركز لثقل هذا التحول، متأرجحاً بين احتمالات الانقسام الجذري أو الاندماج ضمن منظومة الحكم القائمة. إن المشهد الحالي يتجاوز مجرد صراع على زعامة حزب، ليعكس صراعاً على هوية المعارضة ودورها في “النظام المؤسسي الجديد” الذي تتشكل ملامحه في الأفق.
تحولات الهوية الحزبية وفرص البقاء الانتخابي
تثار تساؤلات جوهرية حول قدرة حزب الشعب الجمهوري على تجاوز عتبة السبعة بالمائة الانتخابية في حال استعادة كمال كليتشدار أوغلو لزمام الأمور. وتشير المعطيات إلى أن الحزب، بعيداً عن التوقعات المتشائمة، يمتلك مقومات البقاء ليس فقط ككيان معارض، بل كجزء محتمل من التحالف الحاكم. هذا التحول يجد جذوره في النموذج الذي قدمه حزب الحركة القومية، حيث يتحول الحزب من صدام مع السلطة إلى شريك يستفيد من مواردها وكوادرها، مما يضمن له قاعدة جماهيرية مرتبطة بالمصالح والمكتسبات، خاصة تلك التي تحققت عبر البلديات الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول منذ عام ٢٠١٩.
تعتمد استراتيجية البقاء المقترحة لكليتشدار أوغلو على تحويل الحزب إلى “ميناء آمن” للسلطة، مستفيداً من الدعم الإعلامي الرسمي وفتح آفاق التوظيف والخدمات لكوادره، مما قد يغري قطاعاً واسعاً من النواب والمسؤولين المحليين بالانضمام إلى هذا المسار لضمان استمراريتهم السياسية والمادية. وفي هذا السياق، تبرز محاولات لترسيخ حزب الشعب الجمهوري كقاعدة تمثيلية للهوية العلوية، مما يضمن له حائط صد أيديولوجي يمنع انهياره الانتخابي مهما بلغت حدة الأزمات الداخلية.
رؤية دوغو برينجك وموازين القوة الصلبة
يدخل دوغو برينجك، رئيس حزب الوطن والشخصية المثيرة للجدل في كواليس الدولة العميقة، على خط الأزمة بتصريحات صادمة تضع النقاط على الحروف فيما يخص “القوة الحقيقية” في تركيا. يرى برينجك أن الصراع الحالي بين جناح أوزغور أوزيل وأكرم إمام أوغلو وبين المنظومة القائمة هو صراع غير متكافئ، معللاً ذلك بفقدان هذا الجناح لأي نفوذ داخل “القوة المسلحة” من جيش وشرطة.
قال برينجك في تصريحات صادمة أدلى بها قبل نحو ٤ أشهر “إن جناح أوزيل وإمام أوغلو لا يمكن أن تتسلم الإدارة في تركيا، لأنه يفتقر إلى القوة المسلحة”، خصوصًا بعد حملات التصفية الجماعية التي تلت أحداث محاولة الانقلاب الغامضة في ٢٠١٦ وأعادت تشكيل النظام السياسي في البلاد تماما. وتوقع برينجك (قبل ٤ أشهر) تشكيل تحالف رباعي يضم حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية، وحزب الوطن، بالإضافة إلى “حزب الشعب الجمهوري بقيادة كليتشدار أوغلو”، معتبراً هذا التحالف ضرورة وطنية للمرحلة القادمة.
يوجه برينجك رسالة واضحة لجناح كليتشدار أوغلو في الحزب بضرورة “الولاء” للنظام الجديد، محذراً من أن أي محاولة من قبل جناح أوزيل وإمام أوغلو للتحرك في الشارع ستواجه بحزم، لأن الشارع والقوة القانونية والمؤسسية أصبحت تحت سيطرة “النظام المؤسسي الجديد”، على حد تعبيره.
معضلة القيادة الحالية بين “العقل البيروقراطي” و”واقع القوة”
يواجه أوزغور أوزيل وفريقه مأزقاً استراتيجياً يتمثل في التعامل مع السياسة من منظور قانوني ولائحي بحت، في بيئة سياسية تتجاوز الأطر الدستورية واللوائح الحزبية. إن الاعتماد على قرارات محكمة النقض أو لوائح الحزب الداخلية لمواجهة “عمليات سياسية” كبرى أثبت فشله، تماماً كما حدث مع تجارب سابقة لتيارات حاولت الاحتماء بالنص القانوني في مواجهة القوة الغاشمة، مما يتطلب طرقا بديلة أكثر فعالية لتجاوز الأزمة.
للمفارقة، فإن نجاة هذا الجناح وبقاءه كقوة سياسية مؤثرة يتطلب “التطهر” من الإرث الكلاسيكي المتصلب لحزب الشعب الجمهوري، والتوجه نحو بناء تحالفات عريضة تتجاوز القواعد الكمالية الأتاتوركية الراديكالية لتخاطب يمين الوسط، ربما عبر مظلة حزبية جديدة أو تحالفات مبتكرة مع قوى مثل الحزب الديمقراطي. كما يبرز منصور يافاش كلاعب رابح محتمل في هذا المعترك، كونه يمثل نموذجاً يصعب استهدافه بالوسائل القانونية التقليدية مقارنة بإمام أوغلو الذي يواجه ملاحقات قضائية قد تعيق طموحه السياسي.
استراتيجيات المواجهة البديلة
إن الاستمرار في نهج “الموظف البيروقراطي” داخل أنقرة لن يقود المعارضة الحالية إلا إلى مزيد من الانحسار. البديل يكمن في استراتيجيات مغايرة تعيد الاعتبار للعمل الشعبي والميداني مثل تفعيل سلاح “المقاطعة” والاحتجاج السلمي كأدوات ضغط سياسي واجتماعي تتجاوز أروقة البرلمان، والانخراط المباشر مع الجماهير وتبني سياسة “خلف الشعب ومع الشعب”، على غرار تجارب سياسية استطاعت البقاء رغم التضييق الأمني والقضائي الشديد، وتقليص حجم الأهداف المباشرة مع توسيع نطاق التحالفات الوطنية، والابتعاد عن الخطاب الإقصائي الذي تستخدمه السلطة لوسم المعارضين بتبعية لجهات محظورة.
خلاصة
يتجه حزب الشعب الجمهوري نحو تحول وظيفي يجعل من جناحه التقليدي شريكاً في السلطة تحت مظلة “النظام الجديد”، بينما تظل فرص جناح أوزيل وإمام أوغلو مرهونة بالقدرة على التمرد على القوالب الحزبية القديمة والتحامهم بالقاعدة الشعبية بعيداً عن أروقة المحاكم واللوائح.

