بقلم: ياوز أجار
إن قراءة التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط من زاوية الحرب في اليمن وحدها، أو الصراع مع إيران والحوثيين، أو البحث السعودي عن ضمانات أمنية، أو احتمال إرسال تركيا قوات إلى المنطقة، لا تكفي لفهم التحول الكبير الذي يتشكل أمامنا. فالمسألة تتجاوز هذه الملفات منفردة؛ إذ تتزامن مجموعة من التحركات العسكرية والسياسية والاقتصادية لتشكل ملامح تحول أوسع في بنية النظام الإقليمي.
فالشرق الأوسط لا يبدو مقبلاً على مجرد جولة جديدة من الحرب، بقدر ما يدخل مرحلة يجري فيها تحديد كيفية إنتاج الأمن، ومن سيتحمل تكلفته، وكيف ستعاد صياغة موازين القوى الإقليمية.
وفي قلب هذا التحول تبرز ثلاثة مسارات مترابطة: محاولة احتواء شبكة النفوذ الإيرانية القائمة على القوى الوكيلة، وإعادة تعريف الولايات المتحدة لدورها في الشرق الأوسط، ودفع القوى الإقليمية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره أحد مكونات هذه البنية الأمنية الجديدة.
السعودية: من دولة محمية إلى مركز للأمن الإقليمي
يمثل موقع السعودية نقطة ارتكاز أساسية في هذا التحول. فالرياض لم تعد ترغب في أن تبقى أمنياً معتمدة بصورة شبه كاملة على المظلة العسكرية الأمريكية، بل تتجه بصورة متزايدة إلى بناء قدراتها الذاتية وتوسيع شراكاتها الدفاعية مع القوى الإقليمية.
فحماية البنية التحتية للطاقة، والمدن، والموانئ، والمنشآت الحيوية، والمقدسات الإسلامية، لم تعد شأناً سعودياً داخلياً بالمعنى الضيق، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومن هنا، فإن بناء تعاون دفاعي أكثر مؤسسية مع تركيا وباكستان لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد اتفاق عسكري. فالمسألة الأعمق هي بناء ردع جماعي يجعل الاعتداء على دولة مركزية في المنظومة الجديدة قضية تستدعي استجابة إقليمية أوسع.
وهذا النموذج يحقق في الوقت نفسه مصلحة أمريكية واضحة، لأنه يخفف جزءاً من العبء الذي تتحمله واشنطن، ويدفع القوى الإقليمية إلى المشاركة بصورة أكبر في تحمل تكلفة الأمن.
تركيا: المصلحة الداخلية مهمة، لكنها لا تفسر المشهد كله
إن اضطلاع تركيا بدور عسكري أو أمني أكبر في حماية السعودية يمكن أن يحمل، بلا شك، أبعاداً مهمة على مستوى السياسة الداخلية التركية.
ففي ظل فضائح صناديق الاستثمار التي فاقمت الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة والاستقطاب السياسي، يمكن لملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية أن تمنح الحكومة مساحة سياسية جديدة. فمفاهيم مثل «الأمن القومي»، و«مكافحة الإرهاب»، و«حماية الدول الشقيقة»، و«أمن المقدسات»، و«مسؤولية تركيا كقوة إقليمية» يمكن أن تعيد توجيه النقاش العام بعيداً عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الثقيلة.
والأهم أن مثل هذا الخطاب قد يتيح إعادة تجميع قطاعات من المجتمع ابتعدت عن السلطة، عبر نقل الصراع السياسي من القضايا المعيشية المباشرة إلى الهوية الوطنية والمصلحة القومية والدولة.
لكن اختزال الانخراط التركي في هذه الحسابات الداخلية وحدها سيكون تقليلاً من حجم الصورة.
فالسؤال بالنسبة إلى أنقرة يتجاوز المكسب الانتخابي أو السياسي الآني إلى سؤال استراتيجي أعمق:
أين ستكون تركيا في النظام الشرق أوسطي الجديد؟
إن امتلاك تركيا لقدرات عسكرية متقدمة، وصناعة دفاعية متنامية، وشبكة علاقات دبلوماسية واسعة، وموقع جغرافي فريد، يجعلها من القوى التي يمكن أن تضطلع بدور مؤثر في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.
ومن ثم، فإن المكسب السياسي الداخلي قد يكون نتيجة مهمة لهذا الدور، لكنه ليس بالضرورة السبب الرئيسي وراءه.
الولايات المتحدة لا تنسحب من المنطقة؛ بل تعيد تعريف دورها
لفهم التحولات الراهنة، لا بد من قراءة الموقف الأمريكي بصورة دقيقة.
فخفض العبء العسكري المباشر في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة انسحاب واشنطن الاستراتيجي من المنطقة. والأرجح أن الولايات المتحدة تتجه نحو الانتقال من نموذج التدخل العسكري المباشر إلى نموذج أمني شبكي يعتمد على مجموعة من القوى الإقليمية.
في هذا النموذج تحتفظ واشنطن بقدرات الاستخبارات والمراقبة والأقمار الصناعية والإنذار المبكر والدفاع الجوي والقوة البحرية والدعم اللوجستي، إلى جانب القدرة على تنفيذ تدخلات عسكرية محدودة وعالية التأثير عند الضرورة، بينما تتحمل القوى الإقليمية جزءاً أكبر من العبء الميداني.
وهذا النموذج أكثر استدامة بالنسبة إلى واشنطن؛ فهو يخفض التكلفة المالية والبشرية والسياسية للتدخل الأمريكي المباشر، من دون التخلي عن القدرة على التأثير في النتائج الاستراتيجية.
وبذلك يمكن أن تصبح السعودية مركزاً اقتصادياً وجغرافياً للأمن الإقليمي، وتركيا قوة عسكرية وتكنولوجية أساسية، وباكستان قوة ذات خبرة عسكرية وبشرية، فيما تؤدي قوى إقليمية ومحلية أخرى أدواراً مرتبطة بجغرافياتها الخاصة.
إنها ليست مغادرة أمريكية للشرق الأوسط، بل إعادة تعريف لطريقة ممارسة القوة الأمريكية داخله.
احتواء إيران: جوهر الصراع الاستراتيجي
في قلب هذه التحولات تقف إيران.
لقد بنت طهران خلال العقود الماضية نموذجاً إقليمياً يعتمد بدرجة كبيرة على القوى الوكيلة والشبكات المسلحة والسياسية، بما منحها قدرة على ممارسة الضغط الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة في كل مرة.
لكن هذا النموذج يحمل في داخله نقطة ضعف جوهرية.
فكلما توسعت شبكة النفوذ الإيرانية، زادت الحوافز لدى القوى الإقليمية والدولية لبناء منظومة مضادة تستهدف نقاط اتصالها.
ومن هنا يمكن قراءة استهداف القدرات الصاروخية والبحرية للحوثيين، وتعزيز الدفاعات السعودية، وتأمين البحر الأحمر، وتوسيع أطر التعاون الدفاعي الإقليمي، باعتبارها أجزاءً من استراتيجية أوسع لا تستهدف إيران بالضرورة عبر مواجهة مباشرة معها، وإنما تسعى إلى قطع أو إضعاف نقاط الارتكاز التي تمنحها قدرتها على ممارسة النفوذ.
والهدف الواقعي هنا ليس إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة دفعة واحدة، فهذا هدف بالغ الصعوبة، وإنما تقليص قدرة هذا النفوذ على تعطيل التجارة العالمية أو تهديد الطاقة أو تحويل الممرات البحرية إلى أدوات للضغط الجيوسياسي.
اليمن: من ساحة حرب إلى عقدة في الاقتصاد العالمي
تتضح أهمية اليمن عندما نخرج من حدوده الجغرافية الضيقة.
فالساحل اليمني وباب المندب والبحر الأحمر يشكلون جزءاً أساسياً من طرق التجارة التي تربط آسيا بأوروبا، ويرتبطون مباشرة بقناة السويس وبحركة الطاقة والسلع العالمية.
ولهذا فإن أي اضطراب مستمر في باب المندب يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في حركة الطاقة، ويضغط على سلاسل الإمداد العالمية.
ومن ثم فإن تأمين الساحل الغربي اليمني لا يمثل فقط هدفاً سعودياً مرتبطاً بأمن الحدود، وإنما يمثل بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا جزءاً من أمن التجارة العالمية.
ومن هنا تتقاطع المصالح السعودية والأمريكية والأوروبية في اليمن بصورة واضحة.
الحساب الأوروبي: الطاقة والتجارة والهجرة
لا يمكن فهم التحول في النظام الأمني للشرق الأوسط من دون إدخال العامل الأوروبي في المعادلة.
فأوروبا تتأثر مباشرة بأي اضطراب طويل الأمد في المنطقة من خلال ثلاثة مسارات مترابطة: الطاقة، والتجارة، والهجرة.
فانهيار الدول والحروب الممتدة والتدهور الاقتصادي يمكن أن تنتج موجات نزوح ضخمة، تتحول بدورها إلى أزمات سياسية واجتماعية داخل أوروبا.
ولهذا قد لا يكون الهدف الأوروبي دائماً إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق نموذج ديمقراطي غربي كامل، بقدر ما يكون الهدف العملي هو منع انهيار الدول، والحفاظ على طرق التجارة والطاقة، وتقليص الظروف التي تدفع السكان إلى الهجرة الجماعية.
وهنا يبرز مفهوم أكثر براغماتية: ليس بالضرورة تحقيق الاستقرار المثالي، وإنما بناء استقرار قابل للإدارة.
صعود القوى المحلية وإعادة توزيع الأمن
ربما يكون هذا الجانب هو الأكثر أهمية في المرحلة الجديدة.
فالنظام الأمني الذي يتشكل في الشرق الأوسط قد لا يعتمد على قوة مهيمنة واحدة، بل على شبكة متعددة المستويات من القوى الإقليمية والمحلية.
الولايات المتحدة توفر المظلة الاستراتيجية والتكنولوجيا والاستخبارات.
السعودية توفر الوزن الاقتصادي والجغرافي.
تركيا توفر القوة العسكرية والصناعات الدفاعية والخبرة العملياتية.
باكستان تضيف الخبرة العسكرية والقدرة البشرية.
أما القوى المحلية، فتتحمل الجزء الأكبر من العبء الميداني داخل مناطقها.
وبذلك تتحول المنطقة إلى منظومة أمنية موزعة، تستطيع فيها القوى الكبرى التأثير في المشهد من دون تحمل كامل تكاليف إدارته بصورة مباشرة.
وهذا النموذج جذاب بالنسبة إلى الغرب لأنه يسمح باستخدام الموارد البشرية والاقتصادية المحلية والإقليمية بصورة أكثر كفاءة، بدلاً من تحمل تكلفة انتشار عسكري غربي واسع ومستمر.
لماذا قد تتسع مساحة الحركة أمام تركيا؟
هنا تتضح أهمية الدور التركي.
فالنظام الجديد يحتاج إلى قوى إقليمية قادرة على تنفيذ المهام التي لا تريد الولايات المتحدة القيام بها بصورة مباشرة.
تركيا تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، وقدرات عسكرية متقدمة، وصناعة دفاعية متنامية، وشبكة علاقات تمتد من الخليج إلى القوقاز والبحر الأسود وشمال أفريقيا، إضافة إلى عضويتها في حلف الناتو.
ولهذا فإن اتساع هامش الحركة التركي في بعض الملفات الإقليمية قد لا يكون مجرد نتيجة للقوة التركية وحدها، بل أيضاً نتيجة لحاجة النظام الجديد إلى تركيا نفسها.
وهذا يمثل فرصة كبيرة لأنقرة، لكنه يحمل مخاطر كبيرة كذلك.
فكلما توسع الدور التركي، توسعت معه المسؤوليات والتكاليف والاحتكاكات الجيوسياسية.
الخلاصة: ليس مجرد حرب جديدة، بل نظام جديد
عند جمع هذه التطورات في صورة واحدة، يصبح واضحاً أن ما يحدث في الشرق الأوسط يتجاوز العمليات العسكرية المنفردة.
إضعاف شبكات النفوذ الإيرانية، وتعزيز السعودية، وإدماج تركيا وباكستان بصورة أعمق في ترتيبات الأمن، وتقوية القوى المحلية، وتأمين باب المندب والبحر الأحمر، وتخفيف العبء العسكري الأمريكي المباشر، كلها تبدو أجزاءً من معادلة استراتيجية واحدة.
ولهذا فإن اختزال المرحلة في أنها مقدمة لحرب جديدة سيكون قراءة ناقصة.
التحول الأعمق يتعلق بـ إعادة توزيع القوة والمسؤولية الأمنية.
فالولايات المتحدة قد تصبح أقل انخراطاً كقوة مقاتلة مباشرة وأكثر حضوراً باعتبارها مهندساً وضامناً للنظام. والسعودية قد تتحول من دولة تحتاج إلى الحماية إلى مركز للأمن الإقليمي. وتركيا قد تتحول إلى أحد أهم المنفذين العسكريين والتكنولوجيين في النظام الجديد. أما أوروبا فقد تركز على الطاقة والتجارة وإعادة الإعمار وإدارة الهجرة أكثر من التدخل العسكري المباشر.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سترسل تركيا قوات إلى السعودية؟
السؤال الأهم هو:
هل ستكتفي تركيا بأداء الدور الذي يُفتح لها داخل النظام الإقليمي الجديد، أم ستنجح في تحويل هذا الدور إلى نفوذ يسمح لها بالمشاركة في صياغة قواعد النظام نفسه؟
فالقوة في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بعدد الجنود الذين تستطيع دولة ما إرسالهم، وإنما بقدرتها على التأثير في تحديد طبيعة التهديد، وتوزيع الأدوار، وتحديد من يحصل على القوة، ومن يتحمل تكلفة الأمن، وما الشكل السياسي الذي ستأخذه المنطقة بعد انتهاء الحروب.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الراهنة.
فالشرق الأوسط لا يستعد فقط لجولة جديدة من الصراع؛ بل يبدو أنه يدخل مرحلة يعاد فيها توزيع القوة والأمن والمسؤولية، وتتبلور فيها ملامح نظام جيوسياسي جديد.

