تتشابك خيوط الأمن القومي بملفات الطاقة الاستراتيجية في العلاقات التركية الروسية، حيث برزت مؤخراً معطيات تكشف عن مساعٍ موسكو لاستغلال حاجة أنقرة الملحّة لتسوية أزمة منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400”.
وتتطلع تركيا إلى تمرير صفقة لإعادة بيع هذه المنظومة إلى دولة خليجية كسبيل لتفكيك العقدة الدفاعية مع الولايات المتحدة والعودة إلى برنامج مقاتلات “إف-35″، غير أن هذا المخرج بات معلقاً بموافقة الكرملين الذي يطالب في المقابل بامتيازات طاقوية واسعة النطاق تشمل عقود الغاز ومستقبل المشروع النووي التركي.
المناورة الدفاعية التركية ومفتاح العودة إلى برنامج المقاتلات الأمريكية
تأتي الرغبة التركية في التخلص من منظومة “إس-400” التي اقتنتها من روسيا عام 2019 بصفقة بلغت قيمتها 2.5 مليار دولار، في إطار محاولات جادة لإزالة العقبات التي تعترض شراكتها العسكرية مع الغرب. فمنذ حيازة أنقرة لتلك المنظومة، سارعت واشنطن بإقصائها من مشروع مقاتلات الجيل الخامس “إف-35” المتطور وفرض عقوبات عليها في عام 2020، بموجب قوانين أمريكية تمنع رفع هذه العقوبات أو استئناف التعاون الدفاعي ما دامت المنظومة الروسية في حوزة القوات التركية، بذريعة أن تشغيلها يهدد بتسريب بيانات فنية حساسة تخص المقاتلات الغربية.
وسعياً لتجاوز هذا الحظر القانوني والسياسي، تخطط أنقرة لإعادة بيع هذه المنظومة الدفاعية الروسية إلى طرف ثالث في الخليج العربي، حيث توجهت الأنظار نحو دولة قطر أو دولة الإمارات العربية المتحدة كأبرز المرشحين المحتملين لإتمام هذه الصفقة الالتفافية. وعلى الرغم من تداول هذه الأنباء والمساعي علناً منذ شهر يوليو، إلا أن إتمام الخطوة يتطلب قانونياً موافقة روسيا، بوصفها البلد المصنع والمصدر للمنظومة.
شروط موسكو: استثمار السياسة في تعزيز الهيمنة الطاقوية
في مقابل منحها الضوء الأخضر لصفقة البيع الخليجية، وضعت روسيا قائمة مطالب حيوية تهدف إلى تعزيز مصالحها في قطاع الطاقة التركي على المدى الطويل، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة “جمهوريت” عن مصدر مطلع على كواليس المحادثات. وتتمحور هذه المطالب حول ملفين استراتيجيين، أولهما خط أنابيب “بلو ستريم“، إذ تطالب موسكو بإبرام عقد طويل الأجل لتوريد الغاز الطبيعي عبر هذا الخط الممتد تحت مياه البحر الأسود. ويأتي هذا الطلب في وقت كانت فيه أنقرة قد وافقت في ديسمبر الماضي على تمديد مؤقت لشراء الغاز الروسي لمدة عام واحد فقط بانتظار استكمال مباحثات أعمق لاتفاقية طويلة المدى.
والثاني محطة “أق كويو” النووية، حيث تسعى موسكو للحصول على موافقة أنقرة لتمرير عمليات نقل حصص وأسهم في المحطة بالشروط والصيغة التي تفرضها روسيا. وتعتبر محطة “أق كويو” أولى محطات الطاقة النووية في تركيا، وتضم أربعة مفاعلات تشيدها وتمولها شركة “روساتوم” الروسية الحكومية للكهرباء بموجب اتفاقية وقعت عام 2010 بقيمة إجمالية تبلغ 20 مليار دولار، وقد ضخت موسكو تمويلاً إضافياً بقيمة 9 مليارات دولار العام الماضي لدعم هذا المشروع الذي واجه تأخيراً في مراحل تنفيذه.
ضبابية المواقف الرسمية وحساسية التنسيق المشترك
يسود التكتم والحذر الشديد الأروقة الدبلوماسية للبلدين نظراً لتعقيد هذا الملف وحساسيته البالغة؛ إذ لم تبادر السفارة الروسية في أنقرة بالرد على التساؤلات الصحفية المتعلقة بموقف بلادها الحالي من عملية إعادة البيع. وتزامن هذا الصمت الدبلوماسي مع تضارب واضح في المؤشرات؛ فبينما ادعى كاتب مقرب من الحكومة التركية في العاشر من يوليو بقرب الإعلان عن إتمام الصفقة مع الدوحة أو أبوظبي، لم يشهد الواقع أي إعلان رسمي بهذا الشأن.
في المقابل، وصف المتحدث باسم الرئاسة الروسية “دميتري بيسكوف” في ذات اليوم هذه القضية بأنها تتسم بـ “حساسية مفرطة”، مؤكداً استمرار قنوات الاتصال والتشاور بين موسكو وأنقرة. ومن الناحية التركية، أشار وزير الدفاع “يشار غولر” في الثالث عشر من أغسطس إلى أن المباحثات المتعلقة بوضع المنظومة لا تزال قيد التقييم والمراجعة المستمرة، متعهداً بإعلان الحكومة الفوري عن أي خطوات ملموسة يتم التوصل إليها في هذا المسار.
أبعاد سياقية وتحليلية للمشهد الاقتصادي والجيوسياسي
تتزامن هذه المفاوضات المعقدة مع تحديات متزايدة تواجه الاقتصاد التركي وضغوط إضافية على أمن الطاقة الخاص بها. وتشير البيانات الاقتصادية لعام 2026 إلى أن إجمالي الدين الخارجي لتركيا قد ارتفع ليصل إلى 539 مليار دولار، ما يفرض ضغوطاً متزايدة لتسوية الخلافات العسكرية والاقتصادية مع الغرب وفتح آفاق الاستثمار.
وفي الوقت نفسه، تظهر تعقيدات أخرى في البحر الأسود تؤثر على سلاسل الإمداد الروسية؛ حيث اضطرت تركيا إلى تقليص وارداتها النفطية من الموانئ الروسية جراء الاضطرابات اللوجستية والأمنية في هذه المنطقة البحرية الحيوية. يوضح هذا السياق الشامل رغبة روسيا في انتزاع مكاسب مستدامة في قطاع الغاز والمشروع النووي مستغلة رغبة أنقرة في التخلص من أزمة المنظومة الدفاعية لترميم علاقاتها مع واشنطن، بينما تحاول تركيا جاهدة الموازنة بين طموحها الدفاعي الغربي والتزاماتها الحيوية في مجال الطاقة مع شريكها الروسي.

