تعد “اتفاقية مكة” الموقعة مؤخراً في ظل اضطرابات إقليمية متسارعة، خطوة يراها الدبلوماسي التركي السابق والمحلل السياسي عمر مراد مقامرة خطيرة وحسابات غير دقيقة من جانب أنقرة.
وتأتي هذه الاتفاقية في وقت يمر فيه الشرق الأوسط بمنعطف حرج عقب ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت إيران، وبينما يلوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تارة بالتدمير وتارة أخرى بالانفراجة الدبلوماسية، تظل مآلات الصراع مفتوحة على كافة الاحتمالات.
بنية التحالف: “ناتو” إقليمي بمرجعية سعودية
كشف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن ملامح هذا الاتفاق الثلاثي الذي يجمع تركيا والسعودية وباكستان، مشبهاً إياه ببنود الدفاع المشترك في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، حيث يلتزم الموقِّعون بمعاملة أي اعتداء على أحدهم كاعتداء على الجميع. وبحسب رؤية عمر مراد، في مقاله بموقع “تركيش مينوت” التركي الناطق بالإنجليزية، فإن اختيار السعودية مقراً للأمانة العامة لهذا الاتفاق يعكس رغبة الرياض في بناء رادع قوي ضد التهديدات الإيرانية المتزايدة، خاصة بعد تحذيرات طهران بأن أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي جديد سيتبعه رد ضد شركاء واشنطن في الخليج. ومع ذلك، يستبعد مراد أن ترتدع القيادة الإيرانية التي ترى في الصراع الحالي تهديداً وجودياً لها، لمجرد وجود التزام ثلاثي الأطراف.
الدوافع الاقتصادية وسياق “الدبلوماسية المالية“
يربط المحلل عمر مراد بين هذا التوجه الدفاعي وبين الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمر بها تركيا، مشبهاً الحالة التركية بالوضع الباكستاني. فمنذ سنوات، يرتبط التعاون الأمني بين إسلام آباد والرياض بالدعم المالي السعودي للاقتصاد الباكستاني المنهك. وفي ظل سعي الرئيس رجب طيب أردوغان المتكرر للحصول على تدفقات مالية من دول الخليج لمواجهة الصعوبات الاقتصادية الداخلية، يطرح مراد تساؤلاً جوهرياً حول مدى تأثير هذه الاحتياجات المالية في دفع أنقرة نحو التزامات عسكرية محفوفة بالمخاطر.
مخاطر الانزلاق في حروب الوكالة والمواجهات المباشرة
تثير تصريحات المسؤولين الأتراك مخاوف جدية لدى عمر مراد بشأن احتمال انخراط تركيا في صراعات لا تخدم أمنها القومي بشكل مباشر. فإذا ما تعرضت السعودية لهجوم إيراني، فإن مقتضيات الاتفاق قد تجر أنقرة إلى قلب المعركة. كما أشار فيدان إلى أن تعطيل الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر يمس المصالح التركية، وهو ما يفسره مراد كتمهيد لاحتمال قتال تركيا إلى جانب السعوديين ضد الحوثيين في اليمن حال تصاعد المواجهات هناك. ويلفت مراد الانتباه إلى التجربة الباكستانية، حيث ظلت إسلام آباد ممتنعة عن التدخل العسكري المباشر في التصعيد السعودي الإيراني رغم وجود اتفاقات ثنائية مماثلة.
التوازنات الإقليمية: الموقف الإسرائيلي والغياب المصري
رغم أن البعض قد يرى في التحالف طابعاً إسلامياً، إلا أن مباركة الرئيس ترامب له ووصفه بأنه خطوة لتوحيد الشرق الأوسط تعزز فرضية أنه ليس تحالفاً معادياً لإسرائيل أو لواشنطن. ومع ذلك، يرى عمر مراد أن النظرة في تل أبيب تختلف؛ إذ يُنظر إلى اصطفاف أربع قوى سنية كبرى (بافتراض انضمام مصر لاحقاً) كتهديد استراتيجي، مما قد يزيد من حدة المواجهة مع إسرائيل. ويشير مراد إلى أن مصر، رغم مشاركتها في المحادثات التحضيرية، آثرت البقاء خارج الاتفاق حالياً، وهو ما يضعف من زخم التحالف الإقليمي الشامل الذي تأمله أنقرة.
الساحة السورية والتبعات الأمنية بعيدة المدى
يشدد عمر مراد على أن نقطة الاحتكاك الرئيسية بين تركيا وإسرائيل تظل في الساحة السورية، وهو مسرح لن ينجح فيه التحالف مع السعودية وباكستان في ردع إسرائيل. بل على العكس، قد تتخذ الحكومة الإسرائيلية المتطرفة من هذا الحلف ذريعة لتصوير تركيا كتهديد استراتيجي وجودي أمام الرأي العام العالمي. وفي نهاية المطاف، يخلص مراد إلى أن “اتفاقية مكة” ترهن الأمن القومي التركي للدفاع عن شركاء في صراع لم تختره أنقرة ولا تملك السيطرة عليه، وذلك مقابل مكاسب تظل حتى الآن في إطار التكهنات.

