تتصاعد حدة التوتر في المشهد السياسي والاجتماعي التركي، حيث برزت مؤخراً مواجهة علنية جديدة وضعت مؤسسة “الفرقان” ورئيسها الشيخ ألب أرسلان كويتول في مرمى نيران التصريحات الرسمية الصادرة من أروقة القصر الرئاسي، مما ينذر بمرحلة جديدة من التضييق على الحركات الدعوية المستقلة.
جذور الصدام: موقف كويتول من قضية “السليمانيين”
انطلقت شرارة الأزمة الحالية عقب سلسلة من الإجراءات القانونية والعمليات الأمنية التي استهدفت جماعة “سليمان أفندي”، المعروفة شعبياً بـ “السليمانيين”؛ حيث لم يقف ألب أرسلان كويتول صامتاً تجاه هذه التطورات، بل أطلق تصريحات انتقد فيها بشدة المنهجية المتبعة في التعامل مع الجماعات الدينية.
ويرى كويتول أنه على الجماعات التي تعتبر نفسها بريئة من التهم المنسوبة إليها ألا تستسلم للضغوط، بل يجب عليها النضال لإثبات موقفها بدلاً من الصمت، مؤكداً أن الدولة والحكومة لا بد أن تدركا حدودهما في التدخل في الشؤون الداخلية للمؤسسات المدنية والدينية.
وقد شدد في خطابه على رفض سياسة “الوصاية” التي تمددت من الأحزاب السياسية والبلديات لتصل إلى المصانع، والآن يخشى من وصولها إلى قيادات الجماعات الدينية، متسائلاً باستنكار “هل الدولة هي من ستحدد هوية من يقود العمل الدعوي”.
لغة الوعيد: رد القصر الرئاسي وتصريحات أوكتاي سارال
لم يتأخر الرد الرسمي على انتقادات كويتول، إذ جاء بلهجة حادة وغير مسبوقة من قبل كبير مستشاري رئيس الجمهورية، أوكتاي سارال، الذي لم يكتفِ بالرد السياسي، بل وجه تهديدات مباشرة وعلنية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
واستخدم سارال لغة قوية واصفاً كويتول بـ “المحرض” و”وتاجر الدين”، معتبراً أن انتقاداته تمثل تحدياً لهيبة الدولة. وقد تضمن تصريح المستشار الرئاسي عبارة صريحة بالوعيد قائلاً: “لقد غلى ماؤك بما يكفي يا كويتول! لم تتعظ بعد، وسيأتي دورك أيضاً”، في إشارة واضحة إلى احتمال بدء إجراءات قانونية أو أمنية ضده في القريب العاجل.
دلالات الخطاب الرسمي وسياق “قوة الدولة”
يعكس خطاب المستشار الرئاسي توجهاً حازماً يرفض أي صوت يعارض التوجهات الأمنية للدولة؛ حيث شدد سارال على أنه لا توجد قوة تعلو فوق قوة الدولة، ومن يحاول الوقوف في وجهها سيصطدم بإرادة الشعب وقوة القانون.
وفي تحليل للسياق الذي ورد فيه التهديد، ربط سارال بين مصير كويتول ومصير حركة “كولن”، محذراً من أن نهاية “علي خان كوريش” (القائد الروحي للسليمانيين) وأعوانه أصبحت واضحة، وأن كل من يستخدم القيم المقدسة كدرع لتحركاته سيواجه المصير ذاته. هذا الربط يعكس استراتيجية السلطة في وصم المعارضين بتهم التخريب أو الانتماء لتنظيمات محظورة لتبرير التحركات الأمنية القادمة.
التداعيات الميدانية وترقب “مؤيدي الفرقان”
أثارت هذه التهديدات العلنية حالة من الاستنفار والقلق في أوساط “متطوعي مؤسسة الفرقان”، الذين اعتبروا تصريحات سارال بمثابة ضوء أخضر لبدء عملية أمنية تستهدف مؤسستهم ورئيسها. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تدجين الحركات الدينية المستقلة وضمان ولائها المطلق للتوجهات الرسمية، أو إزاحتها من المشهد عبر أدوات “الوصاية” القانونية التي انتقدها كويتول.
يذكر أن كويتول ظل في السجن حوالي سنيتين ثم حرج في ٢٠٢٣ بعد قرار البراءة، علما أن اعتقاله جرى عقب تصريحات انتقد فيها ما سماه “مشروع الدولة العميقة الرامي إلى تصفية حركة الخدمة، ومن بعدها كل الجماعات والكيانات الإسلامية في تركيا”، وهاجم الرئيس أردوغان لكونه أداة منفذة لهذا المشروع وتحويله حزبه من العدالة إلى الظلم. واعترف كويتول في تسجيل مصور أيضا بأن رجالا مرتبطين بالمخابرات التركية عرضوا عليه توسيع نفوذ جماعته لو تكلم سلبا عن حركة الخدمة وملهمها الفكري فتح الله كولن، إلا أنه رفض ذلك بشدة قائلا: “لست عديم الشريف حتى أكذب وأفتري من غير حق على الآخرين”.
سياق التحولات التركية
إن المشهد الحالي يتجاوز مجرد مشادة كلامية بين مسؤول حكومي وشيخ وزعيم جماعة؛ فهو يجسد صراعاً أعمق حول حدود تدخل الدولة في المجال العام الديني. فبينما تسعى السلطة لترسيخ مفهوم “سيادة الدولة المطلقة” لمواجهة أي كيان قد يشكل مركز قوة موازٍ، يصر كويتول على استقلالية العمل المدني والدعوي بعيداً عن تدخلات “الأوصياء” الذين تعينهم الحكومة.
هذا المناخ المحتقن يشير إلى أن الفترة القادمة قد تشهد تحولات جذرية في العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية في تركيا، حيث أصبحت تهمة “مخالفة إرادة الدولة” كافية لوضع أي شخصية أو مؤسسة تحت طائلة الملاحقة، وهو ما يجعل من قضية ألب أرسلان كويتول اختباراً حقيقياً لمستقبل الحريات المدنية والدينية في البلاد.

