تشير التقارير الاستخباراتية الدولية الأخيرة إلى تصدر جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) قائمة الأجهزة الأكثر كفاءة وتأثيراً في الساحة الأوروبية، وفق دراسة أجرتها مجلة “ليكسبريس” (L’Express) الفرنسية شملت استطلاع آراء أكثر من مئة خبير ومسؤول استخباراتي، نشطين ومتقاعدين، من دول مختلفة بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد.
هذا التفوق لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج عقيدة أمنية تعتمد على الاختراق الهادئ والعميق لبنى الحكم في الدول المستهدفة، حيث تبرز تركيا كأحد الميادين الرئيسية لهذا النفوذ.
عقيدة الاستثمار البشري والنفَس الطويل
يتميز جهاز (MI6) بمنهجية فريدة تبتعد عن الحصول على المعلومات اللحظية العابرة، لتنتقل إلى ما يمكن وصفه بـ”الاستثمار في النخب”. تعتمد هذه الاستراتيجية على تحديد شخصيات واعدة داخل مؤسسات الدولة المستهدفة، ثم العمل على بناء علاقات معها أو دعم صعودها ضمن مشروع يمتد لعشر سنوات أو أكثر. هذا “النفَس الطويل” يشبه إلى حد بعيد الأساليب الروسية التقليدية، حيث يتم رعاية “المصادر” لضمان وصولها إلى مراكز صنع القرار العليا، مما يجعل الجهاز البريطاني الأكثر قدرة على تجنيد مخبرين من داخل الدوائر القيادية العليا.
تركيا في بؤرة الاستهداف البريطاني
أوردت المصادر أن تركيا تقع ضمن قائمة الدول الأربع الأكثر عرضة لاختراق النخب من قبل الاستخبارات البريطانية، إلى جانب كل من روسيا والصين وإيران. ويؤكد خبراء استخباراتيون أن النجاح البريطاني في الساحة التركية يعود إلى القدرة الفائقة على إقناع مسؤولين رفيعي المستوى بالتعاون، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول مدى تغلغل الأجندة البريطانية في مفاصل الدولة التركية.
محورية ريتشارد مور في العلاقات التركية البريطانية
يمثل “ريتشارد مور” (Richard Moore) حلقة الوصل الأهم في هذا السياق؛ فقد شغل منصب سفير بريطانيا في أنقرة خلال أحداث محاولة الانقلاب المثيرة للجدل عام ٢٠١٦، قبل أن ينتقل لرئاسة جهاز (MI6). عُرف مور بدعمه المطلق لنظام أردوغان، وهي السياسة التي انتهجتها لندن بوضوح حين كانت أول من أعلن دعم أردوغان ليلة الانقلاب الغامضة في ٢٠١٦ عبر الوزير “آلان دنكان”، الذي زار تركيا سريعاً بتنسيق مع مور. هذا الدعم البريطاني لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل عُدَّ بمثابة “تعميد” لنظام أردوغان الذي أسسه بفضل التصفيات الجماعية التي نفذها في ظروف حالة الطوارئ التي أعلنها بذريعة التصدي للانقلابيين، حيث غضت لندن الطرف عن ملفات حقوق الإنسان وتراجع الديمقراطية، معتبرة العشرية الأخيرة “قصة نجاح” لتركيا كقوة إقليمية، بخلاف المواقف الأوروبية والأمريكية الأكثر حذراً.
تحليل الشخصيات القيادية والروابط البريطانية
تظهر قراءة السير الذاتية لبعض القادة الأتراك تقاطعاً مثيراً للاهتمام مع الساحة البريطانية، وهو ما يغذي فرضيات “الاستثمار طويل الأمد”:
هاكان فيدان: وزير الخارجية الحالي ورئيس الاستخبارات السابق، الذي أجرى دراسات أكاديمية في مركز أبحاث تكنولوجي ببريطانيا بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠٠٢. والأكثر أهمية هو عمله كمستشار سياسي واقتصادي أقدم في السفارة الأسترالية بأنقرة (وهي دولة تتبع التاج البريطاني بنيوياً) بين عامي ٢٠٠١ و٢٠٠٣، وهو تفصيل غاب عن بعض سيرته الذاتية الرسمية اللاحقة. كما تناولت أطروحته الجامعية مقارنة بين نظامي الاستخبارات البريطاني والروسي.
ونظرا لأن القانون التركي يحظر توظيف أشخاص عملوا في مؤسسات أجنبية حساسة، فإن هاكان فيدان بادر إلى حذف المعلومات المفتوحة عن سيرته الذاتية خشية اعتراض الرأي العام على المناصب الحساسة التي تولاها مثل رئاسة الاستخبارات والخارجية.
عبد الله غول: الرئيس السابق الذي واجه اتهامات داخلية من القواعد الموالية لحزب العدالة والتنمية بعد تركه السياسة اليومية بوصفه “رجل الملكة” نتيجة دراسته في لندن والحفاوة البروتوكولية الاستثنائية التي حظي بها من التاج البريطاني عند وداعه لمنصبه.
محمد شيمشك: وزير المالية الحالي، الذي يحمل الجنسية البريطانية ومتزوج من بريطانية، وعمل لسنوات طويلة في المؤسسات المالية في لندن، ويُنظر إليه كجسر أساسي لجلب التمويل البريطاني للاقتصاد التركي.
صراع النفوذ والسيادة
إن تركيز الاستخبارات البريطانية على “تجنيد العملاء” من طبقة النخبة الإدارية والسياسية يجعل من وجودها في تركيا قضية سيادية بامتياز. فبينما تكتفي أجهزة أخرى بالعمليات الميدانية، يسعى جهاز (MI6) إلى تشكيل المستقبل السياسي لتركيا عبر ضمان وجود شخصيات ذات “ارتباطات تاريخية” أو “قناعات مشتركة” مع لندن في مناصب حساسة. هذا التغلغل الهادئ يفسر لماذا لم تشهد العلاقات التركية البريطانية أي صدام حقيقي أو سجال إعلامي حتى في ذروة الأزمات التركية مع الغرب، مما يشير إلى وجود تفاهمات عميقة تجري خلف الستار الاستخباراتي.

