يمر المشهد السياسي الراهن في تركيا بمنعطف تاريخي يتمثل في عملية تعيين “وصي” على حزب الشعب الجمهوري، مما اعتبره مراقبون أكبر خطأ استراتيجي ارتكبه رجب طيب أردوغان في مسيرته السياسية قد يؤدي ليس فقط إلى إنهاء حكمه، بل إلى اعتباره كأن لم يكن.
فلسفة سقوط الأنظمة الديكتاتورية: الخطأ القاتل
هناك قاعدة سياسية كثيرا ما تتكرر في الحياة السياسية تتمثل في أن الشخصيات ذات النزعة الدكتاتورية لا يرحلون عبر صناديق الاقتراع في المقام الأول، بل يسقطون نتيجة أخطائهم الذاتية الفادحة. ونجاح استراتيجية المعارضة يكمن في دفع “الديكتاتور” نحو ارتكاب هذه الأخطاء. ويمكن تقديم صفقة صواريخ “إس-400” الروسية كمثال على هذا النوع من الأخطاء، حيث يعتبر خطأ زعزع مظلة الحماية الأمنية والشرعية الدولية التي كان يتمتع بها أردوغان في الغرب، مما جعله “غير موثوق أمنياً” وليس سياسياً فحسب.
المأزق الدستوري وانتحار الشرعية
ترى مصادر مطلعة أن الهدف الجوهري لأردوغان من تحركاته الأخيرة هو تعديل الدستور لضمان فترة ولاية جديدة، كونه يدرك استحالة فوزه في استفتاء شعبي مباشر في ظل التذمر الشعبي الواسع. ووفقاً لهذا التحليل، يواجه أردوغان عقبتين لا يمكن للشعب التركي قبولهما في أي دستور جديد:
- محاولة منح العفو لزعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان.
- فتح الطريق لولاية رئاسية جديدة لنفسه.
ولتحقيق ذلك عبر البرلمان، يحتاج أردوغان إلى دعم ما يقارب 35-40 صوتاً من حزب الشعب الجمهوري. إلا أن الهجوم على الحزب وتعيين كيليجدار أوغلو المتعاون معه على قيادة الحزب، جعل أي تعاون من هذا القبيل بمثابة انتحار سياسي لأي نائب أو حزب معارض، مما أدى إلى “تصفير” قيمة أي دعم مستقبلي في نظر الناخبين.
توازنات القوى داخل المعارضة واللعبة السياسية
أما المشهد الداخلي لحزب الشعب الجمهوري فيحاول أردوغان اللعب على التناقضات بين رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزيل من جهة، وبين كمال كليجدار أوغلو من جهة أخرى،. لكن محاولة أردوغان استمالة كليجدار أوغلو أو تقسيم الحزب قد تبوء بالفشل، لأن كليجدار أوغلو فقد شرعيته لدى القاعدة الجماهيرية المعارضة، وبات يُنظر إليه كأداة في يد القصر. وبناءً على ذلك، يتوقع أن يضطر أردوغان في نهاية المطاف إلى “مد غصن الزيتون” مجدداً لأوزغور أوزيل لإنقاذ مشروعه الدستوري، لأن استمرار الاستقطاب سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من شرعيته الانتخابية.
العامل الدولي والتحول نحو “الانتقال الناعم”
على الصعيد الدولي، بدأت القوى الغربية، وبتأثير من جماعات الضغط (اللوبي الإسرائيلي تحديداً)، تدرك أن استمرار الاستثمار في أردوغان قد يقود تركيا إلى سيناريوهات فوضى مشابهة لما حدث في سوريا أو العراق بعد رحيل القادة الأقوياء. ويرى الغرب الآن في “أوزيل” و”إمام أوغلو” و”منصور يافاش” بدائل قوية تضمن انتقالاً ناعماً للسلطة. وفقدان أردوغان لشرعيته الدولية والمحلية سيدفع هذه القوى لسحب دعمها عنه وتوجيهه نحو المعارضة الصاعدة التي أثبتت جدارتها كمنافس حقيقي.
صعود منصور يافاش وشبح “الدولة العميقة”
يبدو أن عملية هندسة المعارضة أدت، خلافاً لرغبة أردوغان، إلى تمهيد الطريق بشكل واسع لمنصور يافاش كمرشح رئاسي لا يمكن إقصاؤه بسهولة،. ما يطرح تساؤلاً حول احتمالية وجود دور لـ”عقل الدولة العميقة” القديم (القوميين الكماليين) في هندسة هذا المشهد، بحيث يتم تقييد يد أردوغان سياسياً وتصعيد نجم يافاش ليكون الخليفة المرتقب الذي ينهي حقبة أردوغان. ويرى محللون أن منصور يافاش بات الآن في وضع أكثر أماناً، وأي محاولة قانونية ضده ستنهي تماماً شرعية الانتخابات المقبلة.
السيناريوهات المستقبلية
يخلص أُوسلو إلى أن الأيام المقبلة ستحمل أحد المسارين:
- عودة أردوغان للتفاهم مع أوزغور أوزيل وتهميش كليجدار أوغلو تماماً.
- استمرار صعود نجم منصور يافاش وتلقيه دعماً دولياً وغربياً متزايداً، مما يجعله المحرك الأساسي لنهاية عهد أردوغان.
خلاصة
يدافع عدد من المحللين المختصين في الشأن التركي أن استهداف أردوغان لحزب الشعب الجمهوري هو “هدية إلهية” للمعارضة، حيث دمر جسور التعاون اللازمة لتعديل الدستور، وعزز شرعية خصومه دولياً ومحلياً، مما قد يمهد لنهاية حكمه نتيجة سوء تقدير استراتيجي.

