تشهد الساحة السياسية التركية في الآونة الأخيرة صراعاً محتدماً يتجاوز الصراعات الحزبية التقليدية، ليمس جوهر بنية الدولة العميقة وتوازناتها الخفية؛ وبحسب رؤية المحلل السياسي التركي سعيد صفاء، فإن المشهد الحالي يمثل حرباً وجودية بين “الدولة العميقة القديمة” و”الدولة العميقة الجديدة” التي يتزعمها القصر الرئاسي، الرئيس رجب طيب أردوغان وفريقه. هذا الصراع لا يدور حول صناديق الاقتراع فحسب، بل يتمحور حول من يمتلك زمام “عقل الدولة” والقدرة على التماهي مع الأجندات الدولية الكبرى.
تحول مفهوم الدولة العميقة: من الظل إلى العلن
يرى سعيد صفاء أن مصطلح “الدولة العميقة” بمعناه التقليدي الغامض قد انتهى، ليحل محله كيان أكثر وضوحاً وشفافية في ممارساته السلطوية، حيث بات القصر الرئاسي هو المركز الفعلي والوحيد لإدارة هذه المنظومة. وما يصفه البعض بـ “عقل الدولة” ليس سوى آلية للتنسيق مع القوى الدولية المؤثرة، وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، لضمان استمرارية النظام وتوافقه مع المصالح الجيوسياسية لهذه القوى. هذا التحول جعل الدولة العميقة الجديدة تعتمد بشكل أساسي على الدعم الدبلوماسي الأمريكي والتمويل المالي البريطاني، مما يعزز شرعيتها الدولية رغم التحديات الداخلية.
أفول الكمالية القومية ومحاولات الاستعادة الفاشلة
يشير صفاء إلى أن تيار “الكمالية القومية”، (Ulusalcılar) الذي كان يشكل العمود الفقري للدولة العميقة القديمة، قد تعرض لعملية تصفية ممنهجة بدأت بضوء أخضر دولي منذ صعود حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي. ويعود سبب هذا الاستبعاد إلى أن هذا التيار كان يفتقر دائماً إلى قاعدة شعبية حقيقية تتجاوز نسبة 10-15%، فضلاً عن كونه كان يتسم بازدواجية الولاء بين أجنحة موالية لإسرائيل وأخرى منجذبة لروسيا والصين وإيران (المحور الأوراسي)، مما جعله طرفاً يصعب التنبؤ بتصرفاته من قبل الغرب.
وفي سياق المحاولات الراهنة للعودة، يكشف صفاء عن لقاءات سرية تجري في أنقرة، تضم شخصيات بارزة من الحرس القديم، مثل السياسي أوندر ساف ورئيس الأركان الأسبق إيلكر باشبوغ، تهدف إلى إحياء هذا التيار من خلال اختراق قيادة حزب الشعب الجمهوري الجديدة متمثلة في أوزغور أوزيل وأكرم إمام أوغلو. ويرى المحلل أن هؤلاء القادة الجدد يتم النظر إليهم من قبل الحرس القديم كمجرد “واجهة” لتنفيذ خطة استعادة السيطرة، بل وصل الأمر لمناقشة ترشيح إيلكر باشبوغ لرئاسة الجمهورية في بعض الاجتماعات المغلقة.
لماذا يفضل الغرب بقاء أردوغان؟
يطرح سعيد صفاء تحليلاً معمقاً حول تمسك القوى الدولية، وخاصة واشنطن ولندن، بالرئيس أردوغان كشريك مفضل رغم خطابه الصاخب أحياناً؛ فالرئيس التركي في نظرهم قائد “يمكن التنبؤ به” ويمتلك الأدوات اللازمة لتنفيذ السياسات الصعبة التي لا تستطيع المعارضة الحالية تحمل تبعاتها. ومن أبرز هذه الملفات:
حل المسألة الكردية والدستور الجديد: يرى الغرب أن أردوغان هو الوحيد القادر على تمرير دستور جديد وحل القضية الكردية جذرياً كونه يسيطر بالكامل على مفاصل الدولة، وهو ما تريده القوى الدولية لضمان استقرار تركيا كحليف “وظيفي” في المنطقة.
الدور الجيوسياسي كمنطقة عازلة: تعمل تركيا تحت الإدارة الحالية كحاجز صد رئيسي أمام موجات الهجرة نحو أوروبا، وكلاعب محوري في موازنة النفوذ الروسي في البحر الأسود.
البراغماتية في الأزمات: يبرز صفاء قدرة أردوغان على التحول الجذري في المواقف وفقاً للمصالح الدولية، مثل مصالحته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد عداء شرس، وتأمين مصالح إسرائيل في جنوب سوريا رغم الانتقادات العلنية، بالإضافة إلى الحفاظ على دور تركيا كمركز مالي، حتى لو ارتبط ذلك بتدوير أموال مثيرة للجدل ناتجة عن تجارة غير مشروعة (طرق مافيوية، تجارة المخدرات)، وهو ما يخدم أحياناً استقرار الأسواق المالية العالمية في الأزمات.
مستقبل المعارضة بين التبعية والمناورة
ينتقد صفاء وضع المعارضة الحالية، واصفاً كمال كليتشدار أوغلو بأنه يمثل “المعارضة المؤسسية المنضبطة” التي يفضلها عقل الدولة لضمان عدم انزلاق البلاد نحو فوضى غير مسيطر عليها. وفي المقابل، يجد الثنائي أوزيل وإمام أوغلو نفسيهما في مأزق؛ فهما من جهة يحاولان بناء شرعية شعبية، ومن جهة أخرى يقعان تحت ضغوط الحرس القديم للدولة العميقة الذي يحاول استخدامهما في صراعه ضد القصر. أما رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش، فيراه صفاء مراقباً حذراً ينتظر نتائج الصراع بين الدولتين العميقتين، القديمة والجديدة، ليحدد وجهته النهائية، مع استعداده لتغيير موقفه إذا ما اقتضت “مصلحة الدولة” ذلك.
خلاصة
تعيش تركيا صراعاً بين نظام القصر المدعوم دولياً وحرس قديم يحاول العودة عبر واجهات حزبية، بينما يظل أردوغان الخيار المفضل للقوى الكبرى لقدرته على تنفيذ أجندات جيوسياسية معقدة.

