أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك موجة انتقادات سياسية في الداخل التركي، بعد طرحه تصوراً إقليمياً وضع تركيا إلى جانب كل من سوريا والعراق ضمن معادلة واحدة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
وجاءت تصريحات باراك في منشور على منصة “إكس”، أكد فيه أن هذه الدول الثلاث تشكل “المحور الاستراتيجي” الذي يرتكز عليه أي استقرار دائم في المنطقة، مشدداً على أن تحقيق التوازن بينها يتطلب وجود قناة اتصال أميركية موحدة ونفوذ مستمر يتجاوز الانقسامات العرقية والدينية والطائفية.
كما أشار إلى أن المهمة التي يعمل عليها، بتكليف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تهدف إلى توجيه المنطقة نحو “النظام والمصلحة المشتركة”، في صياغة اعتبرها منتقدون انعكاساً لرؤية أميركية تدير التوازنات الإقليمية من الخارج.
توسيع الدور: باراك بين أنقرة وملفّات الإقليم
تأتي هذه التصريحات في سياق توسيع صلاحيات باراك، بعد تعيينه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق، إلى جانب استمراره سفيراً لدى تركيا، مع دعم كامل من وزارة الخارجية الأميركية.
كما أكّد وزير الخارجية ماركو روبيو أن باراك سيبقى جهة اتصال مركزية في الملف السوري وشريكاً موثوقاً في إدارة الملف العراقي، ما يعزز موقعه كفاعل رئيسي في رسم السياسة الأميركية في المشرق.
انتقادات تركية: السيادة في قلب الرد
ردود الفعل داخل تركيا جاءت سريعة، خصوصاً من أوساط المعارضة، التي اعتبرت أن وضع تركيا في سياق واحد مع دول تعاني من أزمات بنيوية يمس بمكانتها كدولة ذات سيادة.
النائب عن حزب الشعب الجمهوري والسفير التركي السابق في واشنطن، نامق تان، شدد على أن على السفير الأميركي أن يدرك طبيعة الدولة التي يعمل فيها، مذكّراً بأن المواطنين الأتراك يتمسكون بقوة بمبدأ السيادة الوطنية.
وأضاف أن مفاهيم مثل الدولة القومية والأسس العلمانية للجمهورية ليست موضع تأويل خارجي، مؤكداً أن حدود تركيا لم تُرسم اعتباطاً، بل جاءت نتيجة تضحيات تاريخية جسيمة.
قراءة نقدية للطرح الأميركي
من جهته، انتقد الخبير في السياسة الخارجية وعضو حزب الشعب الجمهوري إلهان أوزغل التصريحات، متسائلاً عن معنى “موازنة” تركيا مع سوريا والعراق.
واعتبر أن المقارنة تعكس فهماً إشكالياً، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تدخلت بشكل مباشر في تشكيل السلطة في العراق، وساهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي في سوريا، في حين أن تركيا دولة ذات نظام سياسي قائم ومؤسسات مستقرة.
كما اتهم أوزغل السفير الأميركي بالاستناد إلى دعم ضمني، ليس فقط من إدارة ترامب، بل أيضاً من صمت داخلي يمنحه هامشاً أوسع للتصريح، مؤكداً أن مستقبل المنطقة يجب أن يُحدد من داخلها لا من خارجها.
تحذيرات من إعادة تموضع تركيا إقليمياً
بدوره، حذر النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية أمين شيرين من أن هذا النوع من الخطاب قد يدفع نحو إعادة تعريف موقع تركيا ضمن إطار أزمات الشرق الأوسط، بما يبتعد بها عن بعدها الأوروبي.
وأشار إلى أن موقع تركيا الجغرافي يفرض عليها التفاعل مع العراق وسوريا، لكن ذلك لا يعني إدراجها ضمن نفس البنية السياسية أو الأزمات التي تعاني منها هاتان الدولتان.
حساسية تاريخية: شبح سيفر في الوعي السياسي
تعكس هذه الانتقادات حساسية متجذرة في الخطاب السياسي التركي تجاه أي طرح خارجي يُفهم على أنه مساس بالسيادة أو محاولة لإعادة تشكيل المنطقة.
ويرتبط هذا الحس التاريخي باتفاقية سيفر عام 1920، التي نصت على تقسيم أراضي الدولة العثمانية، قبل أن تُلغى لاحقاً بمعاهدة لوزان عام 1923 التي أرست حدود الجمهورية التركية الحديثة.
ولا يزال هذا الإرث حاضراً في الوعي السياسي، حيث يُستخدم كمرجع لتفسير أي تحركات أو تصريحات دولية يُنظر إليها كتهديد محتمل لوحدة الدولة.
سياق أوسع: توتر الخطاب رغم تحسن العلاقات
تأتي هذه الأزمة الخطابية رغم تحسن نسبي في العلاقات التركية الأميركية خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، الذي حافظ على علاقة شخصية وثيقة مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
غير أن هذا التحسن لم يُلغِ التباينات العميقة في الرؤى، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة ملفات المنطقة، ودور الولايات المتحدة فيها، وطبيعة النظام الإقليمي المطلوب.
كما أن الانتقادات الأخيرة تأتي امتداداً لمواقف سابقة أثارت جدلاً، حين أشاد باراك بنماذج القيادة المركزية القوية في الشرق الأوسط، ما فُسّر في تركيا على أنه تفضيل لنهج سلطوي في الحكم.
دلالات
تكشف هذه الحادثة عن فجوة إدراكية بين الرؤية الأميركية التي تميل إلى التعامل مع المنطقة كوحدة جيوسياسية قابلة للإدارة، وبين المقاربة التركية التي تركز على خصوصية الدولة الوطنية ورفض إدراجها ضمن نماذج إقليمية مضطربة.
كما تعكس أن الخطاب الدبلوماسي، حتى عندما يكون موجهاً لأغراض استراتيجية، قد يُفسر سياسياً داخل الدول المعنية بطرق تتجاوز نواياه الأصلية، خاصة في بيئات حساسة تجاه مفاهيم السيادة والتدخل الخارجي.
في المقابل، يظهر أن المعارضة التركية توظف مثل هذه التصريحات لإعادة التأكيد على خطاب السيادة، وربط السياسة الخارجية بالهوية الوطنية، في سياق تنافس داخلي متصاعد.
خلاصة
تصريحات السفير الأميركي أعادت فتح ملف حساس يتعلق بمكانة تركيا الإقليمية وحدود الدور الأميركي، وأظهرت هشاشة التوازن بين الشراكة والتباين في الرؤى. الجدل يعكس صراعاً أعمق بين تصورين: إدارة إقليمية من الخارج مقابل تأكيد السيادة الوطنية من الداخل.

