تشهد السياسة الخارجية التركية انعطافاً استراتيجياً بارزاً، حيث تبتعد أنقرة تدريجياً عن طموحاتها التقليدية تجاه الغرب لتركز ثقلها في تحالفات إقليمية ودفاعية جديدة، وهو ما عكسه الحوار المستفيض الذي أجراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع قناة الجزيرة، متناولاً فيه جملة من الملفات الحساسة التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
تراجع الرهان على العضوية الأوروبية ونهاية حقبة الانتظار
أعلن الرئيس التركي بوضوح أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لم يعد ضمن قائمة الأولويات القصوى لأنقرة في الوقت الراهن. ويرى أردوغان أن التراخي الأوروبي وعدم الرغبة الجدية في قبول تركيا كعضو كامل العضوية سيؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة الاتحاد نفسه.
يأتي هذا الموقف في ظل جمود طويل للمفاوضات، حيث تشير التقارير إلى أن الفجوات في مجالات الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان لا تزال تشكل عوائق أساسية أمام التقدم في هذا المسار، وهو ما تعتبره أطراف دولية مبرراً لتعطل العضوية، بينما تراه أنقرة مؤشراً على عدم الرغبة السياسية من جانب بروكسل. هذا التحول يعكس رغبة تركيا في تعزيز “استقلاليتها الاستراتيجية” بعيداً عن الشروط الأوروبية الصارمة.
“ميثاق مكة”: بناء تكتل دفاعي إقليمي جديد
في خطوة تعيد تشكيل توازنات القوة في المنطقة، كشف أردوغان عن تفاصيل اتفاقية الدفاع المشترك التي وُقعت مؤخراً بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، والمعروفة بـ”ميثاق مكة”.
يذكر أن الاتفاقية تضمنت تحركاً جماعياً في حال تعرض أي من الدول الموقعة لهجوم خارجي، وهو بند يشبه إلى حد بعيد “المادة الخامسة” في حلف الناتو المتعلقة بالدفاع الجماعي. ولم يغلق أردوغان الباب أمام توسيع هذا الحلف، مشيراً إلى إمكانية انضمام مصر إلى هذه الاتفاقية الدفاعية مستقبلاً.
رغم التشابه مع هيكلية الناتو، تؤكد الأطراف الموقعة، لا سيما الجانب الباكستاني، أن هذا التكتل ليس موجهاً ضد أي دولة بعينها، بل هو أداة للردع الجماعي الإقليمي.
العلاقات مع واشنطن وملف القدرات الجوية
على الصعيد الدولي، تتجه الأنظار نحو البيت الأبيض، حيث أعرب أردوغان عن تطلعه لأن يفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوعوده المتعلقة ببرنامج مقاتلات.
وتأمل أنقرة في استئناف مسار توريد هذه الطائرات المتطورة، معتبرة أن تنفيذ الالتزامات الأمريكية يمثل حجر زاوية في استعادة الثقة بين الحليفين في الأطلسي.
المبادرات الدبلوماسية تجاه دمشق وقضايا الإقليم
أعلن الرئيس التركي عن توجه جدي لزيارة سوريا في إطار المساعي الرامية لتحقيق الاستقرار الإقليمي، مؤكدا أن الأكراد في سوريا سيكونون جزءاً من حالة السلم والازدهار المنشودة، ومشدداً على التزام بلاده بحماية حقوق المجتمعات الكردية وتعزيز العلاقات معها.
وجدد أردوغان دعمه المطلق لغزة، واصفاً موقف “حماس” بالمرونة وحسن النية في تنفيذ الالتزامات، بينما اتهم الجانب الإسرائيلي بالإصرار على استمرار التصعيد العسكري.
الأمن البحري والوساطة الدولية
تولي أنقرة أهمية قصوى لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، حيث يرى أردوغان أن إعادة فتحه بالكامل مصلحة استراتيجية للجميع. وفي هذا السياق، أشاد بالدور المحوري الذي تلعبه دولة قطر كوسيط فاعل في جهود وقف النزاعات الإقليمية.
التزامات أنقرة في إفريقيا: السودان وليبيا
أكدت الرئاسة التركية على استمرار الدعم لشركائها في القارة السمراء؛ حيث تستمر العلاقة المتينة مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، مع تأكيد أنقرة على مواصلة تقديم الدعم للسودان في أزمته الراهنة، ووصفت أنقرة علاقتها مع الجانب الليبي بالمستقرة، مع التشديد على أن تركيا لن تترك ليبيا وحيدة في مواجهة تحدياتها.

