شهدت الساحة التركية مؤخراً تحركاً أمنياً وقضائياً واسع النطاق استهدف أتباع الشيخ الراحل “سليمان حلمي طوناخان”، المعروفين بـ “السليمانيين”، حيث شنت السلطات حملة مداهمات مبكرة أسفرت عن اعتقال العشرات، تزامناً مع توجيه اتهامات ثقيلة تشمل “تأسيس تنظيم إجرامي”، و”غسيل الأموال”، و”النشاط المالي غير المشروع”. وبدأت وسائل إعلام موالية تزعم عثور السلطات على أسلحة في مواقع الجماعة ربما تمهيدا لإعلانها تنظميا إرهابيا، وفق مراقبين.
وفي هذا السياق، يقدم الباحث المعروف في الدراسات الإسلامية، أحمد كوروجان، قراءة تحليلية معمقة لهذه التطورات، معتبراً إياها تكراراً لسيناريو استبدادي سبق وأن عاينه وعاش تفاصيله بصفة شخصية.
منهجية الاستهداف الممنهج وصناعة “الذنب الجماعي“
يرى أحمد كوروجان أن ما يحدث اليوم يتبع نمطاً “كلاسيكياً” في السياسة التركية الحالية؛ حيث يبدأ الأمر بتحديد السلطة السياسية لفئة اجتماعية معينة كهدف، ثم يتم صياغة خطاب إعلامي تمهيدي، يليه تفعيل ملفات قضائية ومالية جاهزة. ويشير كوروجان إلى أن مكمن الخطر في هذه الممارسة يتمثل في استبدال “المسؤولية الجنائية الفردية” بـ “المسؤولية الجماعية“؛ إذ لا يتم التعامل مع الأفراد بناءً على أفعالهم المستقلة، بل يتم تجريم الكيان أو الجماعة ككل، مما يؤدي إلى إنتاج “ذنب جماعي” يطال كل من له صلة بهذا المكون الاجتماعي.
ويستحضر الباحث تجربة حركة “الخدمة” كمثال حي على هذا النهج، حيث تحولت أفعال قانونية روتينية — مثل إيداع أموال في بنك مرخص، أو إرسال الأطفال إلى مدارس تابعة لوزارة التعليم، أو الاشتراك في صحيفة معينة — إلى “أدلة إدانة” جنائية تُستخدم لوسم الآلاف بالإرهاب.
سياسة “الوصاية” ومصادرة الحقوق المالية
يتوقف كوروجان عند الجانب الاقتصادي للعمليات الأمنية، متسائلاً عن المنطق القانوني الذي يحول ممتلكات رجال الأعمال إلى “أموال تنظيمية” بمجرد وجود تعاطف ديني أو مساهمة خيرية. ويوضح الباحث أن خلط الذمة المالية للشركات بالانتماءات الدينية لأصحابها يمثل انتهاكاً صارخاً لـ“حق الملكية“، وهو حق أصيل من حقوق الإنسان يجب على الدولة حمايته لا اغتصابه.
إن تعيين “أوصياء” على الشركات والمؤسسات بناءً على “شبهة الانتماء” هو، بحسب وصف كوروجان، استراتيجية للاستيلاء على المقدرات الاقتصادية للمعارضين أو المستقلين عن عباءة السلطة، وهو ما بات يُعرف في الوسط الشعبي التركي بـ “السطو” على الممتلكات.
القضاء بين الاستقلال والتسييس
رغم تأكيدات وزير العدل التركي بأن العملية مجرد “تحقيق مالي” لا يستهدف جماعة دينية بعينها، إلا أن أحمد كوروجان يبدي ارتياباً مشروعاً يستند إلى التاريخ القريب؛ فالمسارات السابقة بدأت دائماً بادعاءات مماثلة قبل أن تنتهي بتجريم قطاعات واسعة من المجتمع. ويؤكد الباحث أن الثقة الشعبية في استقلال القضاء التركي تعاني من أزمة عميقة، حيث يُنظر إلى المحاكم والمدعين العامين كأدوات في يد الإرادة السياسية لترويض وتدجين القوى الاجتماعية التي ترفض الاصطفاف خلف السلطة.
اختبار المبادئ: العدالة كقيمة عادلة للجميع
يوجه أحمد كوروجان نداءً أخلاقياً، خاصة لأولئك الذين عانوا من الظلم في تجارب سابقة، مؤكداً أن “العدالة ليست امتيازاً نمنحه لمن نحب“، بل هي حق ثابت حتى لمن نختلف معهم في المنهج أو الموقف السياسي. ويشدد على أن الصمت عن الظلم الذي يلحق بـ “السليمانيين” بحجة صمتهم السابق عن معاناة الآخرين هو سقطة أخلاقية؛ فالعدالة الحقيقية تُختبر عندما ندافع عن حقوق من هم على مسافة منا، أو حتى من انتقدونا سابقاً.
ويجمل كوروجان موقفه بضرورة التفريق بين محاسبة من يرتكب جرماً حقيقياً أمام قضاء مستقل وبأدلة ملموسة، وبين استهداف الهوية الدينية والانتماء الاجتماعي كوسيلة للتنكيل السياسي.
شهادة للتاريخ وموقف مبدئي
في ختام تحليله، يؤكد كوروجان أن كتابته حول هذا الموضوع تأتي “لتسجيل موقف تاريخي”؛ لضمان ألا تسأل الأجيال القادمة عما فعله من ذاقوا مرارة الظلم عندما بدأ يتكرر مع غيرهم. ويشدد على أن الأفراد، والمناصب، والتحالفات السياسية كلها متغيرة، لكن ميزان العدل يجب أن يبقى ثابتاً، مؤكداً وقوفه مع حقوق “تلاميذ السليمانيين” اليوم، ومع حق أي مظلوم غداً، بغض النظر عن اسمه أو انتمائه.

