يرى الكاتب الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان أن مرور ربع قرن على تأسيس حزب العدالة والتنمية، الذي يوافق ١٤ من أغسطس ٢٠٢٦، يمثل محطة تاريخية بالغة الأهمية لمراجعة الحصاد السياسي لحركة هيمنت على مقاليد السلطة في تركيا لنحو أربعة وعشرين عاماً متواصلة.
في مقاله بموقع (TR724) الإخباري، يشير أرسلان في تحليله إلى مفارقة صادمة؛ فتركيا التي سعى الحزب لتغييرها عام ٢٠٠١ تتشابه في ملامحها مع تركيا عام ٢٠٢٦، بل إن الوضع الراهن يبدو أكثر قتامة في ظل هيكل سلطة مركزي وشخصي يصعب إخضاعه للرقابة، متجاوزاً في سوئه ما كان يُعرف بـ”تركيا القديمة”.
المخاض السياسي والولادة من رحم الأزمات
يؤكد أرسلان أن صعود نجم رجب طيب أردوغان وحزبه لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة صراع مرير خاضته النخب “العلمانية المتشددة” ضد السوسيولوجيا التركية، وهو ما خلق فراغاً سياسياً كبيراً. لقد كانت حقبة التسعينيات تتسم بعدم الاستقرار، والتحالفات الهشة، والتضخم المرتفع، وفضائح الفساد، وصراعات القوى داخل أجهزة الدولة.
وفي ظل هذا المشهد، أدى “انقلاب ما بعد الحداثة” في ٢٨ فبراير ١٩٩٧ إلى حدوث تصدع عميق داخل حركة “الميلي غوروش” (الرؤية الوطنية)، حيث انفصل الجناح “التجديدي” بقيادة أردوغان وعبد الله غول وبولنت أرينتش، معلنين عن ميلاد حزب بصبغة “ديمقراطية محافظة” بدلاً من الأيديولوجيا الإسلامية التقليدية. وقد ارتكزت وعود الحزب آنذاك على الانضمام للاتحاد الأوروبي، واقتصاد السوق، وتقليص نفوذ العسكر، ومكافحة الفساد.
حقبة الازدهار والتحولات الهيكلية الأولى
يشدد أرسلان على ضرورة الاعتراف بنجاحات المرحلة المبكرة (٢٠٠٢-٢٠٠٧) لفهم التحولات اللاحقة. ففي تلك الفترة، شهدت تركيا نمواً اقتصادياً سنوياً بلغ متوسطه ٧٪، وانخفضت معدلات الفقر من ٢٧٪ إلى ١٧٪، مع تراجع ملحوظ في التضخم والدين العام. ويستدرك الكاتب موضحاً أن هذا النجاح استند إلى بنية تحتية مؤسسية أرساها كمال درويش بعد أزمة ٢٠٠١، والتي تبناها الحزب وطورها، بما في ذلك استقلال البنك المركزي والإصلاحات المصرفية.
وعلى الصعيد السياسي، كان المسار الأوروبي بمثابة “المرساة” التي دفعت نحو إصلاحات حقوقية وديمقراطية واسعة، شملت حرية التعبير ومنع التعذيب، مما جلب للحزب دعماً واسعاً من الليبراليين، وقطاعات الأعمال، والأكراد، والمجتمع الدولي.
التآكل الديمقراطي وسياسة الاستقطاب
يرصد أرسلان نقطة التحول الجوهرية التي بدأت مع تزايد شعور أردوغان بالخطر على بقائه في السلطة، خاصة بعد محاولات الانقلاب “الناعمة” وقضية إغلاق الحزب عام ٢٠٠٨. ويحلل الكاتب أن تلك اللحظة شهدت انتقال الأولوية من “إصلاح تركيا” إلى “تحصين السلطة”. وقد كان استفتاء ٢٠١٠ الدستوري فخاً تم تسويقه كخطوة لتصفية الوصاية العسكرية، بينما كان يمهد الطريق لتسييس القضاء وتغيير موازين القوى لصالحه.
وبحلول عام ٢٠١١، ومع حصد نصف أصوات الناخبين، بدأ الحزب يبتعد نهائياً عن النهج الإصلاحي. ويرى أرسلان أن الفرق الجوهري يكمن في أن الحزب في عشريته الأولى كان يستمد قوته من القوانين، بينما في العقد الثاني بدأ بتفصيل القوانين على مقاس قوته ونفوذه.
المنعطفات الكبرى: من “غزي بارك” إلى نظام الرجل الواحد
يعتبر أرسلان احتجاجات “غزي بارك” عام ٢٠١٣ لحظة فارقة حولت لغة السياسة في تركيا إلى منطق “نحن وهم”، حيث صنف أردوغان معارضيه كـ “خونة” أو “إرهابيين”. وتفاقم هذا التوجه مع فضائح الفساد الكبرى في ١٧-٢٥ ديسمبر من نفس العام، والتي يصفها الكاتب بأنها كانت “انهياراً أخلاقياً” للحزب الذي تنصل من وعوده بمكافحة الفساد، وعمد بدلاً من ذلك إلى تصفية المحققين والقضاة.
أما محاولة انقلاب ١٥ يوليو ٢٠١٦، فيصفها أرسلان بأنها التحول الأضخم، حيث استُغلت حالة الطوارئ ليس لملاحقة الانقلابيين فحسب، بل لتصفية ١٥٠ ألف موظف وإغلاق مؤسسات إعلامية ومدنية واسعة. وقد توج هذا المسار باستفتاء ٢٠١٧ الذي أنهى النظام البرلماني وأسس لنظام “سراي” مركزي يفتقر للمساءلة، مما أدى لانسحاب أو استبعاد معظم مؤسسي الحزب التاريخيين.
الواقع الاقتصادي والمؤسسي في عام ٢٠٢٦
في قراءته للمشهد الراهن، يربط أرسلان بين تراجع المؤسسات والانهيار الاقتصادي. ويستدل الكاتب بالأرقام الملموسة من واقع عام ٢٠٢٥ و٢٠٢٦:
- تراجع تركيا في مؤشر مدركات الفساد العالمي إلى المرتبة ١٢٤ من أصل ١٨٢ دولة، بنتيجة ٣١ نقطة فقط.
- تصنيف منظمة “فريدوم هاوس” لتركيا في عام ٢٠٢٦ ضمن فئة “الدول غير الحرة” بـ ٣٢ نقطة.
- تصنيف تقرير الديمقراطية (V-Dem) لعام ٢٠٢٦ للنظام التركي كـ “أوتوقراطية انتخابية”.
ويخلص أرسلان إلى أن المأساة تكمن في أن أردوغان تخلص من كافة القيود المؤسسية التي كانت تمنحه القوة في بداياته (مثل استقلال البنك المركزي، والرقابة البرلمانية، والقضاء المستقل)، مما أدى لتقوية مركزه الشخصي على حساب إضعاف الدولة التركية ومؤسساتها. فالسؤال اليوم ليس عن عدد الانتخابات التي فاز بها الحزب، بل عن شكل الدولة التي سيتركها خلفه بعد ٢٥ عاماً من التغيير الجذري الذي حاد تماماً عن الوعود التأسيسية.

