في خطوة أثارت جدلاً حول حرية الصحافة والملاحقات القضائية في تركيا، فتحت السلطات القضائية التركية تحقيقاً رسمياً بحق منصة “تي آر 724” (TR724) الإعلامية، التي أسسها صحفيون في المنفى.
وتأتي هذه الخطوة على خلفية التغطية الصحفية التي قدمتها المنصة للحملة الأمنية والقضائية المتواصلة ضد جماعة “السليمانيين” الدينية، والتطورات المحيطة بوفاة أحد قادتها السابقين في ظروف وصفت بالمستريبة.
فتح التحقيق بموجب قانون “مكافحة التضليل”
أعلن مكتب النائب العام في منطقة باقركوي بإسطنبول، في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، عن بدء التحقيق القضائي ضد المنصة الإعلامية استناداً إلى المادة 217/أ من قانون العقوبات التركي، المعروف بـ “قانون التضليل الإعلامي”. وتتهم النيابة العامة المنصة بنشر محتوى يُزعم أنه “زائف ومضلل ومُتلاعب به”، يتعلق بملف وفاة وزير النقل السابق والقيادي الأسبق في جماعة “السليمانيين”، عارِف أحمد دينيز أولغون، الذي توفي عام 2016.
وعلى الرغم من إعلان فتح التحقيق، لم يحدد مكتب النائب العام أي تقرير صحفي بعينه أو بيان أو معلومة ملموسة صادرة عن المنصة ترى النيابة أنها غير صحيحة، كما لم يكشف الادعاء العام عن الأدلة التي تتناقض مع ما نشرته المنصة.
وفي إطار الإجراءات المتبعة، أصدرت النيابة العامة تعليمات إلى شعبة الأمن التابعة لمديرية أمن إسطنبول لتحديد وتفريغ التصريحات المنشورة في البث المباشر والبرامج عبر حسابات المنصة على منصات التواصل الاجتماعي، وإثبات هويات الأشخاص المشاركين فيها وعناوينهم، لاتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة بحقهم. ولم يتضمن بيان النيابة إعلان أو إصدار مذكرات توقيف بحق صحفيي المنصة حتى الآن.
من جانبها، أعربت إدارة منصة “تي آر 724” عن موقفها، واصفة هذا التحقيق بأنه محاولة لإسكات صوتها وكتم تغطيتها الصحفية للحملة المستمرة ضد جماعة “السليمانيين”. وأكدت المنصة أنها تابعت الإجراءات الأمنية والتطورات القضائية منذ انطلاق الحملة في أغسطس/آب، ونقلت الادعاءات الرسمية الصادرة عن السلطات إلى جانب التطورات المتعلقة بتحقيقات وفاة دينيز أولغون.
نبش القبر وإعادة فتح ملف وفاة الوزير السابق
تعود خلفيات التحقيق القضائي إلى إعادة فتح ملف وفاة وزير النقل الأسبق دينيز أولغون، الذي توفي عام 2016، حيث شهد العام الحالي تحولات قضائية أدت إلى استخراج رفاته ونبش قبره في أغسطس/آب.
وعلى الرغم من أن السلطات الرسمية كانت قد أعلنت في وقت سابق عدم وجود أي تسجيلات مصورة لعملية تشريح الجثة الأصلية، إلا أن الادعاء العام تمكن لاحقاً من استعادة فيديو التوثيق للتشريح الأولي. وبناءً على ذلك، خلص تقرير خبير إلى تصنيف الوفاة على أنها “مستريبة”، مؤكداً أنه لا يمكن استبعاد فرضية القتل العمد. وأفضت هذه النتائج بالنيابة العامة إلى فتح تحقيق في قضية قتل جنائية تطال الزعيم الحالي لجماعة “السليمانيين”، علي خان كوريش، وعدداً من الأشخاص الآخرين.
حملة أمنية متسعة ونشاط مكثف في 17 ولاية
على الصعيد الميداني، شنت قوات الشرطة التركية في 13 أغسطس/آب حملة مداهمات واسعة النطاق شملت 17 ولاية تركية، وذلك في إطار تحقيقات مركزية تُدار من العاصمة أنقرة. وتضمنت الاتهامات الموجهة للجماعة تأسيس وإدارة تنظيم إجرامي، وغسل الأموال، والاحتيال، وارتكاب مخالفات ضريبية.
وفي المرحلة الأولى من الحملة، أصدر الادعاء العام مذكرات احتجاز بحق 49 شخصاً، أُودع على إثرها علي خان كوريش و31 آخرون السجن على ذمة المحاكمة. وتوسعت نطاق التحقيقات لاحقاً لتبلغ مصادرة العديد من الشركات والجمعيات والمؤسسات التابعة للجماعة أو المرتبطة بها، فضلاً عن تنفيذ اعتقالات إضافية.
الرواية الرسمية وموقف الحكومة التركية
في المقابل، نفى وزير العدل التركي، أكين غورليك، أن تكون الإجراءات المتخذة استهدافاً حكومياً لجماعة دينية، مؤكداً في تصريحات له أن القضية تنحصر في كونها تحقيقاً في جرائم مالية موجهة ضد قيادات الجماعة. وأوضح الوزير أن السلطات التركية طلبت رسمياً تقديم مساعدة قضائية من ألمانيا للتحقق من عمليات تحويل أموال جرت إلى الخارج.
إلا أن مراقبين للشأن التركي يرون في هذه التحركات مؤشراً ورسالة تحذيرية مفادها أن الجماعات الدينية قد تواجه ضغوطاً حكومية متزايدة في حال لم تتوافق مواقفها السياسية مع توجهات السلطة الحاكمة. ويشار إلى أن جماعة “السليمانيين” لم تبنِ روابط وثيقة مع الرئيس رجب طيب أردوغان أو حزب العدالة والتنمية الحاكم، بل قدمت في بعض الاستحقاقات الدعم لأحزاب المعارضة. وجاءت هذه العمليات الأمنية والقضائية عقب أشهر من الانتقادات الموجهة للجماعة من قبل سياسيين ووسائل إعلام مقربة من الحكومة.
الجذور التاريخية للجماعة وتداعيات قانون التضليل
تعود الجذور التاريخية لجماعة “السليمانيين” إلى دروس تعليم القرآن الكريم التي بدأها العالم الإسلامي الشيخ سليمان حلمي طوناخان في عشرينيات القرن الماضي. وتدير الجماعة حالياً شبكة من دورات تحفيظ القرآن، والمساكن الطلابية، والجمعيات الخيرية، والأنشطة التجارية داخل تركيا وفي عدد من الدول الأوروبية.
أما على صعيد حرية الصحافة، فإن المادة 217/أ من قانون العقوبات التركي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، تجرّم نشر معلومات تُصنف على أنها “زائفة” علناً بطريقة تُعتبر قادرة على إثارة الخوف أو الهلع أو القلق بين الجمهور، وتفرض عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات. وطالبت منظمات دفاع عن حرية الصحافة مراراً بإلغاء هذه المادة، مؤكدة أنه يتم استغلالها لتجريم العمل الصحفي المشروع والمستقل.

