كشف تقرير صادر عن شركة “أنثروبيك” (Anthropic) الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عن صلات وثيقة بين شركة أمن سيبراني تُدار من إسطنبول، ومنصة رقمية صُممت للتدخل في النقاش السياسي وتوجيه الانتخابات في ماليزيا.
وأوضحت الشركة أن المنصة اعتمدت على إنشاء حسابات مزيفة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ونشر أخبار مفبركة، واستصدار تقارير استخباراتية مضللة.
تفاصيل التقرير وشبكة التأثير التجاري
تطرّق التقرير الصادر في سبتمبر/أيلول 2026، والمكون من 154 صفحة، إلى رصد وتقييم محاولات استغلال نماذج الذكاء الاصطناعي “كلود” (Claude) خلال الفترة الممتدة من ديسمبر/كانون الأول 2025 وحتى أغسطس/آب 2026. وأكدت “أنثروبيك” أنها أقدمت على إغلاق وحظر حساب أدار شبكة تجارية للتأثير في الانتخابات، تتألف من نحو 1000 حساب وهمي على منصة “إكس” (X)، إضافة إلى موقع إخباري غير حقيقي وملفات استخباراتية مفبركة.
وأشار التحقيق إلى وجود “روابط واضحة” تجمع بين هذه الشبكة وشركة “بي بي إس تكنولوجيا المعلومات” (BBS Bilişim Teknolojileri) المعروفة تجارياً باسم “بي بي إس تكنولوجي” (BBS Technology) والمُتخذة من إسطنبول مقراً لها. ووفقاً لـ “أنثروبيك”، فإن الشركة التركية كانت تبيع استخدام هذا النظام كخدمة توجيه نفوذ وتأثير، في حين وصف القائمون على تشغيله المنصة بأنها “نظام بيئي للعمليات السياسية اللحظية القائمة على الذكاء الاصطناعي ذات مواصفات عسكرية“.
استراتيجية الاستهداف الديمغرافي والسياسي
أظهرت التحليلات أن المنصة الرقمية اعتمدت على تجميع ومعالجة بيانات التعداد السكاني والانتخابات وسجلات الناخبين، لتحديد الخصائص الديمغرافية لجميع الدوائر البرلمانية الماليزية البالغ عددها 222 دائرة. وشمل هذا التصنيف تقييم الدوائر وفق المقاييس العرقية والدينية، فضلاً عن قياس التوجهات الشعبية نحو المؤسسة الملكية.
وبرمج المشغلون الحسابات الوهمية لتظهر بسلوكيات واقعية موثوقة قبل إدماجها في الحملات السياسية، وذلك بهدف التخفي والتملص من خوارزميات الكشف التلقائي في شبكات التواصل الاجتماعي. ورصدت لوحة التحكّم الخاصة بالمنصة طلباً لتوليد مليون مشاهدة اصطناعية لدعم حساب رئيس الوزراء الماليزي أنوار إبراهيم، غير أن “أنثروبيك” نوهت إلى تعذّر التحقق المستقل من صحة الأرقام التي سجلها مشغلو الخدمة.
في السياق ذاته، أنتج القائمون على العملية ملفات تقصٍّ تتضمن ادعاءات تستهدف أحداً من سياسيي المعارضة إلى جانب منظمات في المجتمع المدني، وهي اتهامات أثبتت تحقيقات “أنثروبيك” افتقارها التام لأي سند واقعي أو حقيقة ملموسة.
آلية تزييف المحتوى الصحفي وسرقة المواد الإعلامية
كشف التقرير عن إنشاء موقع إخباري وهمي يُدعى “ماليزيا بولس” (Malaysia Pulse)، اعتمد على استخدام تقنيات سحب المحتوى والتقارير الصحفية من المؤسسات الإخبارية الماليزية، ومن ثم إعادة صياغتها عبر نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود” ونشرها تحت أسماء محررين ومؤلفين وهميين.
ولم تقتصر أنشطة الموقع المزيف على الصياغة المحلية، بل شملت أيضاً إعادة نشر مواد إعلامية منقولة عن وسائل إعلام حكومية وروسية وصينية، وذلك بعد حذف وتجريد النصوص من أي بيانات أو الإشارات المعرّفة بالمصادر الأصلية التي أنتجتها. وذكرت “أنثروبيك” أنها لم تتمكن من تحديد هوية الأطراف أو الجهات التي اشترت هذه الخدمات، كما لم تطلق الاسم الصريح للسياسي المعارض الذي كان هدفاً للادعاءات المفبركة.
سعي للتعاقد الحكومي وتقييم خطورة الحملة
سعى القائمون على هذه العملية إلى إبرام عقد رسمي مع لجنة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية، غير أن التحقيقات التي أجرتها “أنثروبيك” لم تسفر عن وجود أي دليل يؤكد نجاحهم في الفوز بذلك العقد أو توقيعه.
وصنّفت شركة “أنثروبيك” هذه الحملة ضمن “الفئة الثانية“ وفق سلم تقييم أمني يتألف من ستة مستويات، وهو ما يعني أن المواد والتسريبات المنشورة ظهرت على منصات متعددة، إلا أنه لم يثبت تحقيقها أي وصول ملموس أو تأثير فعال داخل المجتمعات الرقمية الحقيقية على شبكة الإنترنت. وبناءً على هذه المعطيات، أعلنت “أنثروبيك” حظر جميع الحسابات والمنظومات المرتبطة بالعملية، واستغلال البيانات المجمعة لتطوير أدوات برمجية حديثة قادرة على كشف ومنع حملات التضليل المشابهة مستقبلاً.
موقف الشركة التركية والسياق السياسي في ماليزيا
في المقابل، أصدرت شركة “بي بي إس” بياناً نفت فيه بشكل قاطع أي تورط أو معرفة أو موافقة على الأنشطة المذكورة، معلنةً بدء مراجعة وتحقيق داخلي للوقوف على ملابسات الواقعة. وأوضحت الشركة أن اسمها أو أصولها الرقمية أو بيانات تابعة لشركاء سابقين ربما جرى استخدامها واستغلالها دون علمها، متعهدةً بتحريك دعوى جنائية ورسمية حال توصل التحقيق إلى تحديد الهويات المسؤولة عن ذلك.
وتعرّف شركة “بي بي إس” نفسها بأنها مؤسسة متخصصة في تقديم خدمات الأمن السيبراني للمؤسسات الحكومية والشركات العاملة في قطاعات متعددة تشمل المصارف، والطاقة، والتأمين، والطيران، والاتصالات.
تأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه الساحة السياسية في ماليزيا لاستحقاقات قادمة، حيث جرت آخر انتخابات عامة في البلاد خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2022، ومن المقرر عقد الانتخابات العامة المقبلة في موعد أقصاه أوائل عام 2028، ما لم يتخذ رئيس الوزراء قراراً بحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة قبل ذلك التاريخ.

