تشهد ساحات الصراع المعاصر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تحولاً جذرياً يتجاوز المواجهات العسكرية التقليدية، لينتقل إلى ما يصفه البروفيسور أركان سقا بـ”إيكولوجيا البروباغندا الجديدة”؛ حيث لم يعد حسم المعارك مرتبطاً بفوهات المدافع فحسب، بل بمدى القدرة على صياغة السرديات وتوجيه الرأي العام عبر الفضاء الرقمي.
ويرى سقا، في مقاله بموقع (fikirturu) التركي، أن البروباغندا في هذا السياق لم تعد مجرد بيانات رسمية أو أخبار كاذبة، بل أصبحت نظاماً متكاملاً يستهدف تشكيل الإدراك عبر الرسائل العاطفية، والنمذجة الانتقائية للوقائع، واستخدام “اقتصاد الانتباه” لفرض الهيمنة الفكرية.
الاستراتيجية الإيرانية: دبلوماسية “الميمز” وسخرية الذكاء الاصطناعي
يشير البروفيسور أركان سقا إلى أن الجانب الإيراني أظهر مرونة وابتكاراً لافتاً في إدارة حرب المعلومات، متجاوزاً اللغة الدبلوماسية الرصينة إلى ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الميمز”. فمن خلال حسابات السفارات والقنصليات، انخرطت طهران في إنتاج محتوى ساخر يستهدف القادة الغربيين، وعلى رأسهم ترامب، لتصويرهم في قوالب كاريكاتورية تفتقر للاستقرار.
علاوة على ذلك، وظفت إيران تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع فيديو تحاكي جماليات ألعاب “الليغو” أو الألعاب البلاستيكية، حيث يتم تجسيد عمليات عسكرية واستهداف قادة مثل نتنياهو وترامب في إطار يجمع بين الخيال الانتقامي والهجاء السياسي. هذا النهج خلق منطقة رمادية بين الدعاية الرسمية والإنتاج العفوي للمحتوى، مما يمنح الدولة قدرة على التنصل مع ضمان انتشار واسع للمحتوى. وفي موازاة ذلك، استغلت طهران سردية “المظلومية” عبر ترويج صور عالية الدقة لضحايا القصف والدمار، مع دمجها في ثقافة “الميم” لضمان وصولها العاطفي، وصولاً إلى استخدام التزييف العميق وصور الأقمار الصناعية المفبركة لإثبات خسائر وهمية في صفوف الخصوم.
المقاربة الأمريكية: الحرب كمنتج ترفيهي و”سلوباغندا” القيادة
في المقابل، يحلل سقا التكتيكات الأمريكية التي اعتمدت على “ألعنة” الحرب (Gamification) ودمجها بالثقافة الشعبية. فقد عمدت وزارة الدفاع والبيت الأبيض إلى نشر مقاطع فيديو تتسم بجمالية أفلام الأبطال الخارقين والرسوم المتحركة، مما يحول الأزمات السياسية المعقدة إلى مادة بصرية مشوقة وقابلة للاستهلاك السريع. ويطلق النقاد على هذا النمط وصف “سلوباغندا” (Slopaganda)، وهو محتوى منخفض التكلفة وعالي التأثير العاطفي، لكنه يفتقر إلى العمق التحليلي.
ومن ناحية أخرى، برز دور الحسابات الشخصية للقادة، مثل حساب ترامب، كأداة تواصل رسمية بديلة تتجاوز القنوات التقليدية، حيث تتحول التهديدات وإعلانات وقف إطلاق النار إلى “أداء” اجتماعي رقمي. كما لفت البروفيسور سقا الانتباه إلى توظيف الرمزية الدينية في البروباغندا الأمريكية، عبر استخدام صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تحمل طابعاً “خلاصياً” أو مسيحانياً، مما يصبغ الصراعات الجيوسياسية بصبغة أخلاقية وميتافيزيقية تخرج القرار السياسي من دائرة النقاش إلى دائرة “المهمة المقدسة”.
المنهج الإسرائيلي: السردية العسكرية المنضبطة والتحكم في التدفق
أما الاستراتيجية الإسرائيلية، فيصفها سقا بأنها الأكثر انضباطاً ومؤسسية، حيث ترتكز على التواصل العسكري المباشر عبر المتحدثين الرسميين للجيش. يعتمد هذا النهج على التدفق المستمر لمقاطع العمليات، والإحاطات اليومية، وصور الأهداف، بهدف ترسيخ فكرة أن العمليات العسكرية “دقيقة” و”ضرورية” و”مشروعة”.
وعلى عكس العشوائية الظاهرية في “الميمز” الإيرانية أو الطابع الترفيهي الأمريكي، تمارس إسرائيل سيطرة صارمة على تدفق المعلومات، وإدارة وصول الصحفيين، والتحكم في التسريبات. إنها منظومة متكاملة تهدف إلى الحفاظ على صورة النجاح العسكري المستمر، وتوجيه تدفق الأخبار بما يخدم السردية الإسرائيلية، مما يجعل البروباغندا هنا عملية تنظيمية أكثر منها مجرد محتوى فيروسي.
التقاطعات التقنية: فوضى الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي
رغم التباينات الأيديولوجية، يرى البروفيسور أركان سقا أن الأطراف الثلاثة تلتقي في نقاط تقنية خطيرة، أبرزها الاعتماد الكثيف على الذكاء الاصطناعي لتزييف الواقع أو تجميله. لقد تحولت الحرب إلى “كائن ترفيهي” عبر الرسوم المتحركة الإيرانية، وجماليات ألعاب الفيديو الأمريكية، والإنتاج الحربي عالي الجودة في إسرائيل.
إن الخطر الأكبر، بحسب سقا، يكمن في حالة “الفوضى الإبستيمية” (المعرفية) التي تخلقها هذه الأدوات؛ حيث تتماهى الحدود بين الحقيقي والمزيف. فعندما يعجز المستخدم عن التمييز بين مشهد حقيقي لقصف مدرسة وبين صورة مفبركة لقاعدة مدمرة، يصبح “عدم اليقين” في حد ذاته أداة سياسية تستخدم لتضليل الجمهور وتعطيل قدرته على اتخاذ مواقف بناءً على حقائق صلبة. إننا أمام عصر جديد لا تكتفي فيه البروباغندا بنشر الرسائل، بل تعيد صياغة الثقافة الرقمية لتصبح الحرب جزءاً من الانسياب اليومي للمحتوى على شاشاتنا.
خلاصة
يمثل الصراع الحالي نموذجاً لتحول الحرب من الميدان العسكري إلى إيكولوجيا رقمية شاملة، حيث يُعاد إنتاج العنف كمنتج ترفيهي أو محتوى فيروسي يتلاعب بالوعي الجمعي. وبحسب تحليل البروفيسور أركان سقا، فإن الغلبة في هذه المعركة لم تعد للأقوى سلاحاً، بل للأقدر على تطويع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي للتحكم في “انتباه” الجمهور وصياغة حقيقته الخاصة.

