أظهر أحدث استطلاع أجرته مؤسسة متروبول تحولاً لافتاً في موازين التأييد الحزبي في تركيا، مع تصدر الحزب الجديد الذي أسسه أوزغور أوزيل المشهد بفارق يقارب ثماني نقاط مئوية عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وبحسب نتائج استطلاع يوليو/تموز، حصل الحزب الجديد على 30.3% من نوايا التصويت، مقابل 22.4% لحزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النسب عُرضت من دون إعادة توزيع أصوات المترددين والممتنعين على الأحزاب، ما يجعل قراءة الفارق مرتبطة بطريقة احتساب النتائج.
أحزاب المعارضة تتوزع.. والحزب الجمهوري يتراجع
جاء حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب DEM، المؤيد للقضية الكردية، في المرتبة التالية بنسبة 5.4%، بينما حصل حزب الجيد القومي على 3.9%.
أما حزب الحركة القومية MHP، حليف حزب العدالة والتنمية ضمن التحالف الحاكم، فنال 3.6% من نوايا التصويت.
وفي المقابل، جاءت المفاجأة الأكبر داخل معسكر المعارضة نفسه؛ إذ لم يحصل حزب الشعب الجمهوري CHP إلا على 2.9% في الاستطلاع.
وتعكس هذه النتيجة حجم الاضطراب الذي أصاب الحزب بعد الأزمة القانونية والسياسية التي أطاحت بقيادة أوزيل وأعادت كمال كليتشدار أوغلو إلى الواجهة.
من أزمة داخلية إلى حزب جديد
تعود جذور التحول إلى الحكم القضائي الذي ألغى المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي انتُخب خلاله أوزيل رئيساً للحزب، وأعاد سلفه كمال كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب.
واعتبر أوزيل وأنصاره القرار تدخلاً قضائياً في شؤون حزب المعارضة الرئيسي، الأمر الذي أدى إلى تصعيد سياسي انتهى بإعلانه في 21 يوليو/تموز مغادرة الحزب وتأسيس تنظيم سياسي جديد.
وبعد ثلاثة أيام فقط، أُعلن رسمياً تأسيس الحزب الجديد، وانضم إليه 90 نائباً من أعضاء البرلمان كانوا قد غادروا حزب الشعب الجمهوري مع أوزيل.
وأدى هذا الانشقاق الكبير إلى تقليص الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري إلى 44 نائباً، ما أفقده موقعه كأكبر كتلة معارضة في البرلمان.
استطلاع يكشف حجم التحول
أجرت شركة متروبول استطلاعها بين 18 و23 يوليو/تموز في 28 ولاية تركية، وشملت العينة 1236 شخصاً.
وطُرح على المشاركين سؤال مباشر حول الحزب الذي سيصوتون له إذا أجريت الانتخابات البرلمانية في ذلك الأحد.
وبعيداً عن الأحزاب، كشفت النتائج عن حجم كبير من عدم الحسم؛ إذ قال 12.8% من المشاركين إنهم لم يقرروا بعد، بينما أعلن 8.4% أنهم سيصوتون احتجاجاً، ولم يقدم 2.1% إجابة.
وهذه الأرقام مهمة لأنها تعني أن جزءاً كبيراً من الناخبين لا يزال خارج الاصطفاف الحزبي النهائي، وبالتالي فإن ترتيب الأحزاب الحالي لا يمثل بالضرورة نتيجة انتخابية نهائية.
مؤشرات أخرى تؤكد صعود الحزب الجديد
لا يأتي تقدم حزب أوزيل في استطلاع متروبول منفرداً.
فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Ank-Ar تقدم الحزب الجديد أيضاً، بحصوله على 29.4% مقابل 24.8% لحزب العدالة والتنمية قبل إعادة توزيع أصوات المترددين والمحتجين.
وبعد إعادة التوزيع، ارتفعت النسب إلى 34.8% للحزب الجديد مقابل 29.4% للعدالة والتنمية.
كما منح استطلاع مؤسسة Gündemar الحزب الجديد المركز الأول بفارق أكبر. وبعد إعادة توزيع أصوات المترددين، حصل على 38.58% مقابل 27.43% لحزب العدالة والتنمية، أي بفارق تجاوز 11 نقطة مئوية.
وهكذا، فإن ثلاث مؤسسات استطلاع مختلفة قدمت، خلال فترة زمنية متقاربة، صورة متشابهة: الحزب الجديد يتقدم على حزب أردوغان في نوايا التصويت، وإن كانت نسب التقدم تختلف باختلاف منهجية كل استطلاع وطريقة التعامل مع الأصوات غير المحسومة.
ماذا تعني هذه الأرقام؟
تكمن أهمية النتائج في أنها لا تشير فقط إلى صعود حزب جديد، بل إلى إعادة توزيع محتملة للمعارضة التركية.
فالحزب الجديد لم يدخل المنافسة من موقع تنظيمي ناشئ تماماً؛ بل خرج من أكبر أحزاب المعارضة ومعه عشرات النواب وقاعدة سياسية مرتبطة مباشرة بقيادة أوزيل السابقة.
وفي الوقت نفسه، يظهر حزب الشعب الجمهوري في هذه الاستطلاعات بوصفه الخاسر الأكبر من الانقسام، بينما يحتفظ حزب العدالة والتنمية بموقع قوي لكنه يتعرض لضغط انتخابي واضح من منافس جديد.
وهذا يفتح الباب أمام احتمال إعادة تشكيل التحالفات والكتل السياسية التركية خلال المرحلة المقبلة.
المترددون قد يحسمون المعركة
ورغم أن تقدم الحزب الجديد يبدو لافتاً، فإن قراءة النتائج تحتاج إلى قدر من الحذر.
فوجود 12.8% من الناخبين غير المحسومين، إلى جانب نسبة كبيرة من الذين يفضلون التصويت الاحتجاجي، يعني أن المشهد الانتخابي لا يزال مفتوحاً.
كما أن الحزب الجديد لم يخضع بعد لاختبار انتخابي حقيقي يوضح قدرته على تحويل التأييد في استطلاعات الرأي إلى تنظيم ميداني وأصوات فعلية.
وبالمثل، لا يمكن اعتبار نتائج الاستطلاعات الحالية حكماً نهائياً على قوة حزب العدالة والتنمية، خصوصاً أن أداء الأحزاب قد يتغير بصورة كبيرة مع اقتراب موعد الانتخابات وتبلور التحالفات.
المشهد التركي يدخل مرحلة جديدة
إذا استمر الاتجاه الذي تظهره هذه الاستطلاعات، فإن تركيا قد تكون أمام تحول مهم في بنية المنافسة السياسية: المنافس الرئيسي لحزب أردوغان قد لا يكون الحزب الجمهوري التقليدي، وإنما قوة سياسية جديدة خرجت من رحم المعارضة نفسها.
والأهم أن الصراع المقبل قد لا يدور فقط بين الحكومة والمعارضة، بل داخل المعارضة أيضاً، حول من يملك القدرة على تمثيل الناخبين المناهضين للحكومة وتوحيدهم في كتلة انتخابية واحدة.
أما حزب العدالة والتنمية، فيواجه للمرة الأولى وفق هذه المؤشرات منافساً جديداً يتقدم عليه في أكثر من استطلاع، وهو ما قد يدفعه إلى إعادة تقييم استراتيجيته السياسية والانتخابية.
وفي المقابل، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع أوزيل تحويل موجة التأييد الأولية إلى حزب مستقر قادر على منافسة أردوغان في صناديق الاقتراع، أم أن هذه الأرقام تعكس بالأساس صدمة سياسية مؤقتة ناجمة عن الانقسام داخل حزب الشعب الجمهوري؟
الإجابة ستتحدد مع اتضاح الخريطة الحزبية والتحالفات المقبلة، ومع انتقال الحزب الجديد من لحظة التأسيس إلى مرحلة بناء التنظيم والبرنامج والقواعد الانتخابية.

