تُعد وثيقة “ميثاق مكة” التي جمعت بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، تحولاً استراتيجياً في بنية التحالفات الإقليمية، حيث يحلل الباحث محمد عاكف أرصوي هذا التكتل بوصفه محاولة جادة لصياغة “أمن جماعي” في منطقة تموج بالصراعات، مشيراً إلى أن هذا الحلف، رغم غموض نصوصه الرسمية وغياب مسودته المعلنة عن التداول العام، يمثل استجابة لواقع جيوسياسي متفجر.
الجذور والمنطلقات: من الثنائية إلى التحالف الثلاثي
يرى أرصوي، الخبير في الشؤون الإيرانية، في تحليل قدمه عبر موقع يوتيوب، أن بذور هذا الميثاق لم تكن وليدة الصدفة، بل هي امتداد لاتفاقية دفاعية ثنائية وُقعت بين السعودية وباكستان في سبتمبر من العام الماضي، نصت على تبادل الدعم في حال تعرض أي منهما لهجوم. وقد انتقل هذا التعاون من الإطار النظري إلى التطبيق العملي مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، حيث رُصد وصول وحدات عسكرية باكستانية تضم قرابة ثمانية آلاف جندي، مدعومة بطائرات مقاتلة ومسيرات، إلى الأراضي السعودية لتأمين القواعد الحيوية عقب تعرضها لتهديدات مباشرة. هذا الزخم العسكري مهد الطريق لانضمام تركيا، لتتحول التفاهمات إلى مظلة ثلاثية تهدف إلى تعميق التعاون الدفاعي والصناعي.
لغز الغياب المصري والتحفظات العربية
يتوقف أرصوي ملياً عند غياب القاهرة عن هذا الميثاق، رغم مشاركتها في الاجتماعات التمهيدية لوزراء الخارجية. ويُرجع الباحث هذا الانسحاب إلى اعتبارات استراتيجية معقدة تتجاوز “الأسباب الفنية” المعلنة، أبرزها الارتباط العضوي المصري بالدعم المالي والعسكري الأمريكي الممتد منذ اتفاقيات “كامب ديفيد”، مما يجعل القاهرة حذرة من الانخراط في أحلاف قد تُغضب واشنطن أو تخل بالتوازن مع إسرائيل. وكذلك الخشية من تهميش “جامعة الدول العربية”؛ حيث يسود اعتقاد في أروقة السياسة المصرية بأن لجوء السعودية لدول غير عربية (تركيا وباكستان) لتأمين أمنها القومي قد يضعف العمل العربي المشترك ويجعل من الجامعة كياناً ثانوياً. إضافة إلى التناغم المصري الوثيق مع الإمارات العربية المتحدة، التي فضلت البقاء خارج هذا الكيان، مما خلق عائقاً أمام انضمام مصر في ظل غياب شريكها الخليجي الأبرز.
محاكاة النموذج الأطلسي: “المادة الخامسة” والعدو المفترض
يشير أرصوي إلى أن ملامح هذا التحالف تتقاطع مع المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، والتي تنص على أن الاعتداء على عضو واحد هو اعتداء على الجميع. ومع ذلك، يوضح الباحث أن تطبيق هذه المادة في ميثاق مكة يتسم بمرونة تتيح لكل دولة تقديم الدعم وفق قدراتها وظروفها الخاصة، دون الالتزام بالدخول في حرب شاملة.
وفيما يخص “العدو المشترك”، يلفت أرصوي إلى تعمد الأطراف الموقعة عدم تسمية خصم واضح لتجنب الانحباس في استراتيجية المواجهة الصفرية. ومع ذلك، فإن السياق الإقليمي يضع إيران كهدف ضمني ومحتمل، خاصة في ظل استمرار الهجمات على المنشآت النفطية والممرات المائية.
القوى الدولية: تباين بين الابتهاج الأمريكي والريبة الإسرائيلية
يحلل أرصوي المواقف الدولية تجاه هذا الحلف قائلا: “إن واشنطن تبدي ترحيباً لافتاً، خاصة الدوائر الجمهورية، كون هذا التحالف يخفف العبء العسكري عن كاهل الولايات المتحدة ويتيح لها التفرغ لساحة “آسيا والمحيط الهادئ”، معتبراً أن واشنطن تبارك تقوية حلفائها المحليين لضمان استقرار المنطقة بالوكالة.
يدافع أرصوي عن أن إسرائيل تنظر بعين الريبة لهذه “الكتلة السنية” الصاعدة، فرغم عدائها المشترك مع إيران، إلا أن تل أبيب تخشى نشوء قوة إقليمية وازنة قد تتعارض مصالحها مع الطموحات الإسرائيلية مستقبلاً، خاصة في ظل التوترات التركية الإسرائيلية حول ملفات سوريا وفلسطين.
أما روسيا والصين فتتخذان موقفاً محايداً يميل إلى القبول، طالما أن التحالف يقلل من التواجد الأمريكي المباشر، لكنهما تظلان حذرتين من أن يكون هذا الميثاق مجرد أداة في يد الاستراتيجية الأمريكية بعيدة المدى، بحسب المحلل التركي.
الاستراتيجية التركية: التوازن والبحث عن “القطب الثالث“
يؤكد أرصوي أن تركيا تسعى من خلال ميثاق مكة إلى لعب دور “ضابط الإيقاع” الإقليمي. فبعد عقدين من الهيمنة الإيرانية (2003-2023)، برزت مخاطر هيمنة إسرائيلية مطلقة عقب تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان. هنا، يأتي التدخل التركي لتقوية “الكتلة الخليجية” كطرف ثالث يمنع انفراد أي قوة بالمنطقة، مما يخلق توازناً يحمي المصالح التركية الجيوسياسية والاقتصادية.
آفاق التوسع والمصالح البراغماتية
لا يقتصر الميثاق على البعد العسكري الصرف في رؤية أرصوي، بل هو بوابة لاستثمارات ضخمة وتدفقات مالية وتدشين تعاون في الصناعات الدفاعية. ويتوقع الباحث أن يشهد الحلف توسعاً مستقبلياً يضم قطر والكويت، نظراً لروابطهما الوثيقة مع أنقرة والرياض. بل ويذهب التحليل إلى إمكانية انضمام العراق، وحتى إيران في مرحلة لاحقة، إذا ما خفت وطأة التوترات مع الغرب، مما قد يؤدي إلى نشوء نظام إقليمي جديد يهمش الأدوار الخارجية ويجعل إسرائيل أكثر عزلة.
ميثاق مكة ليس مجرد تجربة عسكرية هشة، بل هو مناورة استراتيجية كبرى تهدف إلى إعادة تدوير القوة في الشرق الأوسط، حيث تحاول الدول الثلاث (تركيا، السعودية، باكستان) حماية أمنها القومي بعيداً عن تقلبات السياسة الدولية، مع الحفاظ على شعرة معاوية مع الالتزامات الدولية القائمة مثل حلف الناتو، بحسب رأي الكاتب الصحفي المختص في الشؤون الإيرانية.

