شهدت مدينة إسطنبول تصعيداً أمنياً لافتاً يوم الجمعة، حيث نفذت قوات الشرطة عملية مداهمة واسعة استهدفت السكن الطلابي الرئيسي التابع لجماعة الشيخ الراحل “سليمان حلمي طوناخان” (المعروفين بـ “السليمانيين”).
تأتي هذه الخطوة في سياق تحقيقات قضائية بدأت في العاصمة أنقرة، لتكشف عن مواجهة مفتوحة بين السلطات وهذه الجماعة الدينية التي تمتلك شبكة معقدة من المؤسسات التعليمية والتجارية والخيرية.
مشاهد المواجهة الميدانية وحصار المقرات
وثقت مقاطع مصورة لحظات التوتر داخل السكن الطلابي المستهدف، حيث حاولت عناصر من الشرطة بالزي المدني اقتحام المبنى عبر الأبواب الزجاجية، بينما احتشد إداريو السكن وأعضاء الجماعة لعرقلة تقدمهم وسط هتافات دينية.
ولم تقتصر العملية على السكن الطلابي، بل امتدت لتشمل “مستشفى حصار إنتركونتيننتال” المرتبط بالجماعة، حيث ضربت قوات مكافحة الشغب طوقاً أمنياً حول المنطقة، في حين تجمع المئات من الأتباع في وقفات احتجاجية استمرت حتى ساعات متأخرة، تخللتها دعوات من قيادات الجماعة لضبط النفس وعدم المقاومة العنيفة أثناء عمليات التفتيش وعدم الانسياق وراء استفزاز مجموعات مغرضة.
توسع الرقعة الأمنية والملف المالي
تجاوزت أصداء هذه الحملة حدود إسطنبول، لتشمل عمليات متزامنة في سبع عشرة ولاية تركية، من بينها أنقرة وأنطاليا، حيث استهدفت الفرق الأمنية ثلاثة وأربعين موقعاً مرتبطاً بأفراد الجماعة، بالإضافة إلى ثمانين مقراً تابعاً لثلاث وثلاثين شركة تجارية.
وأسفرت هذه التحركات عن احتجاز سبعة وثلاثين شخصاً حتى الآن، من أصل تسعة وأربعين صدرت بحقهم أوامر توقيف، بمن فيهم زعيم الجماعة “علي خان كوريش”، في حين تشير التقارير إلى وجود عدد من المطلوبين خارج البلاد.
وترتكز القضية بشكل أساسي على تقرير صادر عن مجلس التحقيق في الجرائم المالية (MASAK)، يتهم الجماعة بتأسيس منظمة إجرامية، والضلوع في غسيل الأموال، والاحتيال، والتهرب الضريبي.
وتزعم البيانات القضائية عن تضخم غير مبرر في حجم معاملات الشركات التابعة للجماعة منذ عام ٢٠٢٠، حيث تم رصد تحويلات مالية إلى الخارج تجاوزت مائة مليار ليرة (ما يعادل ٢.١ مليار دولار تقريباً) عبر أفراد وكيانات مرتبطة بالجماعة.
المواقف الرسمية والذرائع الأمنية
في محاولة لتهدئة رد فعل المجموعات الدينية والمحافظة، والمخاوف من استهداف العمل الدعوي، ادعى وزير العدل “أكين غورليك” أن العملية تستهدف الهيكل المالي والأنشطة التجارية غير القانونية للجماعة، وليس أنشطتها الدينية.
ومن جانبه، أشار وزير الداخلية “مصطفى تشيفتشي” إلى أن الجماعة أنشأت مركزا إسلاميا ضخماً في مدينة كولونيا الألمانية بتكلفة بلغت سبعين مليون دولار، معتبراً ذلك جزءاً من خطة لإدارة العمليات من الخارج، مؤكداً أن التحقيقات استغرقت وقتاً طويلاً من الإعداد لرصد هذه التحركات.
الخلفية السياسية وصراع النفوذ
تعود جذور التوتر بين حكومة أردوغان وجماعة السليمانيين إلى سنوات مضت، حيث تميزت الجماعة تاريخياً بعدم تأييدها لحزب العدالة والتنمية الحاكم. وتشير التقارير إلى أن الجماعة، تحت قيادة “علي خان كوريش” الذي تولى الزعامة في ٢٠١٦، قدمت دعماً سياسياً لقوى المعارضة، بما في ذلك دعم “ميرال أكشينار” في انتخابات ٢٠١٨، والتصويت لصالح حزب الشعب الجمهوري في بعض الاستحقاقات المحلية.
وقد لعبت الخلافات العائلية داخل بيت مؤسس الجماعة دوراً في هذا التصعيد، حيث دعا “فاتح سليمان دينيزولغون” (حفيد المؤسس والنائب السابق عن حزب العدالة والتنمية) الحكومة علانية لشن عملية مالية ضد شركات وجمعيات الجماعة، مدعياً وجود أوامر مباشرة من الرئاسة للتحرك ضد هذا الكيان.
مخاوف استقلال القضاء تأتي هذه الحملة في توقيت حساس، حيث يربطها مراقبون بتهديدات سابقة أطلقها الرئيس أردوغان ضد ما وصفه بـ “الكيانات الموازية” المتغلغلة في مفاصل الدولة. ويرى محللون أن الدور قد جاء على “السليمانيين” بعد سنوات من تفكيك حركة “كولن”، الحركتين اللتين رفضتا البيعة الكاملة للسطلة، ووضعتا مسافة معينة منها، وهو ما يثير قلقاً دولياً وحقوقياً، خاصة في ظل تقارير المفوضية الأوروبية لعام ٢٠٢٥ التي تشير إلى تراجع استقلالية القضاء التركي واستخدامه كأداة لاستهداف المعارضين والمجموعات المدنية.
يرى مراقبون أن تحويل الجماعة من كيان ديني تعليمي يركز على دورات تحفيظ القرآن والمساكن الطلابية إلى ملف جنائي مالي يعكس رغبة نظام أردوغان في إحكام السيطرة على القوى الاجتماعية المنظمة التي تمتلك استقلالاً مالياً وسياسياً بعيداً عن عباءة السلطة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل المؤسسات الدينية المستقلة في تركيا.

