تستعد رائدة الفضاء في وكالة ناسا دينيز برنهام لخوض أول رحلة فضائية في مسيرتها، في مهمة تمتد لنحو سبعة أشهر على متن محطة الفضاء الدولية، مع استهداف الإطلاق في مارس/آذار عام ٢٠٢٧ من قاعدة بايكونور الفضائية في كازاخستان.
وتكتسب المهمة بعداً خاصاً بالنسبة إلى تركيا، إذ ولدت برنهام في قاعدة إنجرليك الجوية بمدينة أضنة جنوب البلاد، ونشأت في أسرة عسكرية تنقلت بين أماكن مختلفة خلال طفولتها. وقد تحدثت مؤخراً باللغة التركية عن علاقتها بتركيا وذكريات طفولتها، في رسالة مصورة بثتها السفارة الأميركية في أنقرة.
وقالت برنهام إنها تحتفظ بذكريات جميلة من طفولتها في إنجرليك، مشيرة إلى أن صلتها بتركيا لا تقتصر على مكان الميلاد، بل تمتد إلى جذور عائلية وذكريات شخصية ساهمت في تشكيل اهتمامها بالفضاء.
شغف الفضاء بدأ من فناء المنزل
ترى برنهام أن الفضول العلمي داخل عائلتها لعب دوراً مبكراً في توجيهها نحو الفضاء. فقد تحدثت عن جدها قادر، المنحدر من ولاية أفيون قره حصار غربي تركيا، وعن جدتها أينور المنحدرة من إيجه آباد في ولاية جناق قلعة شمال غربي البلاد.
وتتذكر برنهام أن جدها كان شغوفاً بالفضاء إلى درجة أنه صنع تلسكوباته بنفسه، وأن أفراد الأسرة كانوا يقضون ساعات طويلة في فناء المنزل يتابعون النجوم والكواكب.
وتعيش جدتها وجدها في تركيا، ولا تزال برنهام تزورهما خلال العطلات. ولهذا حمل إعلان مهمتها المقبلة معنى شخصياً واضحاً؛ فهي قالت إنها، عندما تصل إلى محطة الفضاء الدولية، ستلوّح من المدار لجدّيها ولأهالي أضنة وللعالم بأسره.
هذه القصة العائلية تضيف بعداً إنسانياً إلى مسيرة مهنية تشكلت أساساً داخل قطاع الطاقة والمؤسسة العسكرية الأميركية، قبل أن تقودها في النهاية إلى برنامج رواد الفضاء في ناسا.
مهمة علمية طويلة على متن المحطة الدولية
بحسب ناسا، ستشارك برنهام في البعثة السادسة والسبعين لمحطة الفضاء الدولية بوصفها مهندسة طيران. ومن المقرر أن تنطلق على متن المركبة الروسية سويوز إم إس-30 إلى جانب رائدي الفضاء الروسيين دميتري بيتيلين وكونستانتين بوريسوف. وتستهدف الخطة إطلاق الطاقم من بايكونور في مارس/آذار ألفين وسبعة وعشرين، على أن يمضي الثلاثة قرابة سبعة أشهر في المختبر المداري.
لن تكون الرحلة مجرد إقامة في المدار؛ إذ ستشارك برنهام في تجارب علمية وعروض لتقنيات جديدة، ضمن أعمال تهدف إلى توسيع المعرفة المتعلقة بالحياة والعمل في الفضاء، وتطوير التقنيات اللازمة للبعثات البشرية المستقبلية إلى القمر والمريخ.
وتواصل محطة الفضاء الدولية أداء دورها بوصفها مختبراً دائماً في المدار المنخفض للأرض، حيث يعيش البشر ويعملون بصورة متواصلة منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً. وتستخدم ناسا المحطة لدراسة تأثير بيئة الفضاء على الإنسان والتقنيات والمواد، ولتطوير الخبرات المطلوبة للرحلات الفضائية طويلة المدى.
ومن هذه الزاوية، فإن مهمة برنهام تأتي في مرحلة تتجاوز فيها برامج الفضاء الدولية مجرد الوصول إلى المدار، باتجاه إعداد البنية العلمية والتكنولوجية للعودة المستدامة إلى القمر ثم التوجه نحو المريخ.
مسيرة هندسية وعسكرية قبل ناسا
لم تصل برنهام إلى برنامج رواد الفضاء عبر مسار تقليدي قصير. فقد درست الهندسة الكيميائية في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييغو، ثم حصلت على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة جنوب كاليفورنيا.
وخلال دراستها العليا، تدربت في مركز أميس التابع لناسا في كاليفورنيا ضمن مجموعة متخصصة في تقنيات الاستقلالية القابلة للنشر.
بعد ذلك أمضت أكثر من عقد في صناعة الطاقة، حيث عملت في مواقع حفر نفطية، وتولت إدارة عمليات ميدانية ومشروعات لتحسين عمليات الحفر وخفض الانبعاثات. وبدأت حياتها المهنية مهندسة ميدانية في منشأة حفر نائية في برودهو باي بألاسكا، قبل أن تتولى مسؤوليات قيادية في مواقع داخل الولايات المتحدة وكندا.
كما خدمت في احتياطي البحرية الأميركية بوصفها ضابطة هندسة، وهي خبرة جمعت بين الإدارة الهندسية والعمل في البيئات التشغيلية الصعبة والانضباط العسكري.
وتملك برنهام أيضاً رخصة طيار خاص، وتشمل مؤهلاتها الطيران بطائرات ذات محرك واحد على البر والماء، والطيران بالأجهزة، إضافة إلى قيادة المروحيات. كما تمارس الطيران بالمظلات والطيران الشراعي بمحركات.
اختارتها ناسا مرشحة لبرنامج رواد الفضاء في عام ألفين وواحد وعشرين، وبدأت خدمتها الرسمية في الوكالة في يناير/كانون الثاني ألفين واثنين وعشرين، قبل أن تتخرج مع دفعة رواد الفضاء الثالثة والعشرين في عام ألفين وأربعة وعشرين. وهي تخضع حالياً للتدريب استعداداً لمهمتها الأولى إلى محطة الفضاء الدولية.
محطة جديدة في العلاقات الفضائية بين تركيا والولايات المتحدة
لا تأتي مهمة برنهام بمعزل عن توسع الحضور التركي في قطاع الفضاء. ففي الحادي والثلاثين من أغسطس/آب الماضي، أصبحت تركيا الدولة الحادية والسبعين الموقعة على اتفاقات أرتميس، وهي مبادئ تقودها الولايات المتحدة لتنظيم التعاون الدولي في استكشاف الفضاء المدني، مع التركيز على الاستخدام السلمي والشفافية وتبادل البيانات والتنسيق بين الدول.
وتكتسب الخطوة أهمية لأنها تتزامن مع انتقال البرنامج الفضائي التركي من المشاركة في المهمات الدولية إلى تطوير قدرات وطنية أكثر استقلالاً.
وكان ألبر غيزرجي أول مواطن تركي يصل إلى محطة الفضاء الدولية في يناير/كانون الثاني ألفين وأربعة وعشرين، حيث أمضى نحو أسبوعين وأجرى تجارب علمية. وفي العام نفسه، خاض رائد الفضاء التركي الثاني توفا جيهانغير أتا سيفر رحلة بحثية شبه مدارية، ليصبح الحضور التركي في رحلات الفضاء المأهولة أكثر من مجرد مشاركة رمزية.
وتشير برنهام أيضاً إلى مشروع AYAP-1، الذي يمثل أول مهمة قمرية تركية مخطط لها. ويعكس المشروع انتقال تركيا تدريجياً من مرحلة إرسال رواد إلى الفضاء عبر برامج دولية إلى محاولة تطوير قدرات ومهام فضائية وطنية مرتبطة باستكشاف القمر.
تركيا تستضيف عاصمة عالمية مؤقتة لقطاع الفضاء
يتزامن كل ذلك مع حدث بالغ الأهمية تستضيفه تركيا حالياً: المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية لعام ألفين وستة وعشرين في أنطاليا، الذي يعقد من الخامس إلى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول.
ويمثل المؤتمر، الذي تستضيفه وكالة الفضاء التركية بالتعاون مع تجمع ساها إسطنبول لصناعات الطيران والفضاء، أول استضافة تركية لهذا الحدث العالمي. ويحمل المؤتمر شعار «العالم يحتاج إلى مزيد من الفضاء»، ويجمع وكالات فضاء وشركات وباحثين ومؤسسات دولية لمناقشة مستقبل الاستكشاف والتكنولوجيا والتعاون الفضائي.
وتكشف المشاركة التركية في المؤتمر عن حجم الاهتمام الذي أصبح يحيط بالقطاع داخل البلاد؛ فقد تلقى مؤتمر أنطاليا آلاف الملخصات البحثية من أكثر من مئة دولة، بينما جاءت تركيا في صدارة الدول من حيث عدد المشاركات المقدمة.
وفي هذا السياق، تبدو مشاركة برنهام في الحديث عن تركيا أكثر من مجرد إشارة إلى جذورها الشخصية. فهي تتحدث عن بلد ولدت فيه، بينما تتحول البلاد نفسها في الوقت ذاته إلى طرف أكثر حضوراً في المنظومة الدولية لاستكشاف الفضاء.
من ذكريات إنجرليك إلى شراكة أرتميس
تحمل قصة برنهام مفارقة لافتة: فقد بدأت علاقتها بتركيا من قاعدة جوية أميركية في أضنة، فيما تتجه تركيا اليوم إلى توسيع علاقاتها الفضائية مع الولايات المتحدة عبر اتفاقات أرتميس، في الوقت الذي تستعد فيه برنهام نفسها للصعود إلى المدار في مهمة تنطلق على متن مركبة روسية.
وهذه التفاصيل تعكس طبيعة قطاع الفضاء الحديث، الذي تتقاطع فيه الشراكات الدولية رغم التنافس الجيوسياسي بين الدول. فمحطة الفضاء الدولية نفسها نموذج لهذا التعاون المعقد، إذ يجتمع فيها رواد فضاء من دول مختلفة ضمن برنامج علمي طويل الأمد.
وبالنسبة إلى تركيا، تأتي مهمة برنهام في لحظة تتسارع فيها محاولات بناء هوية فضائية وطنية: رائدا فضاء تركيان دخلا بالفعل تاريخ الرحلات البشرية، وانضمت أنقرة إلى اتفاقات أرتميس، ومهمة قمرية وطنية قيد الإعداد، فيما تستضيف أنطاليا واحداً من أكبر التجمعات العالمية المتخصصة في الفضاء.
أما بالنسبة إلى برنهام، فإن الرحلة المقبلة تضيف فصلاً جديداً إلى مسيرة بدأت من الهندسة وعمليات الحفر والطيران والخدمة العسكرية، وانتهت إلى برنامج رواد الفضاء. وعندما تنطلق في مارس/آذار المقبل، ستكون عودتها إلى السماء مختلفة جذرياً عن كل ما سبق: هذه المرة لن تكون الطائرة أو المروحية هي وسيلة الصعود، بل مركبة سويوز التي ستنقلها إلى محطة فضاء تدور حول الأرض.
ومن هناك، سيكون بإمكان رائدة الفضاء المولودة في أضنة أن تنظر إلى الكوكب من المدار، بينما تحمل معها قصة عائلية بدأت بتلسكوب صنعه جدها في فناء منزل، وانتهت إلى رحلة بحثية على ارتفاع مئات الكيلومترات فوق الأرض.

