كشفت قضية صندوق «تيرا» الاستثماري في تركيا عن قرار رئاسي يعود إلى عام 2022، يقضي بإقالة مسؤولين بارزين في هيئة الرقابة المالية، بعدما أبديا تحفظات على إدراج شركة «تيرا» في السوق المالية، معتبرين أن هيكلها لا يتمتع بالمتانة الكافية التي تؤهلها للطرح العام.
وأعاد ظهور هذه المعلومات، في ظل التحقيقات الجارية في أزمة صناديق الاستثمار، فتح أسئلة واسعة حول مدى استقلالية الجهات الرقابية وطبيعة القرارات التي سبقت إدراج الشركة في البورصة.
وتصاعدت الانتقادات السياسية للرئيس رجب طيب أردوغان، مع استغلال أحزاب المعارضة القضية لتوجيه اتهامات مباشرة إلى السلطة، خصوصًا بعد أن كشف زعيم الحزب الجديد أوزغور أوزيل عن وثائق تشير إلى تورط ابن شقيق أردوغان أيضًا في فضائح مرتبطة بصناديق الاستثمار.
وتضع هذه التطورات قضية «تيرا» في قلب جدل أوسع حول الرقابة على الأسواق المالية، والعلاقات بين دوائر السلطة والمستفيدين المحتملين من التحركات الاستثمارية، وما إذا كانت الجهات المختصة قد تدخلت في الوقت المناسب لمنع اتساع الأزمة.
التفاصيل
تشهد الأسواق المالية التركية متابعة حثيثة لتبعات قضية الصناديق الاستثمارية التي يديرها عدد من الشركات، وفي مقدمتها “تيرا بورتفوي” (TERA Portföy)، و”بوسولا بورتفوي” (Pusula Portföy)، و”أطلس بورتفوي” (Atlas Portföy)، و”هدف بورتفوي” (Hedef Portföy). وتخضع في إطار هذه التحقيقات الواسعة نحو 131 صندوقاً استثمارياً للتمحيص والتصفية، في قضية تمس زهاء نصف مليون مستثمر وتتقاطع مع أصول مالية تقارب قيمتها 20 مليار دولار.
وفي سعيها للحد من تداعيات الأزمة على صغار المستثمرين وحماية حقوق المتعاملين، أقرت هيئة سوق المال التركية (SPK) نظام سداد مرحلي. وبموجب هذا النظام، يحصل المستثمرون الذين لا تتجاوز صافي استثماراتهم مليون ليرة تركية على كامل مستحقاتهم، بينما يصرف للمستثمرين الذين تتجاوز استثماراتهم هذا الحد مبلغ مرحلي يصل إلى مليون ليرة تركية كدفعة أولى.
جذور القضية: القرارات الرقابية لعام 2022 وملف إدراج “تيرا” في البورصة
ترتبط خيوط التحقيقات الحالية بقرارات تنظيمية تعود إلى أواخر عام 2022، وتحديداً قبيل طرح شركة “تيرا للخدمات المالية” في البورصة. ففي الثلاثين من أكتوبر 2022، أصدر الرئيس أردوغان قرارا نُشر في الجريدة الرسمية قَضى بإعفاء نائب رئيس هيئة سوق المال آنذاك، مطلب أونال، وعضو الهيئة علي أكات من مهامهما، وتعيين أنفر أوسجا وبولنت مراد هاهولو بدلاً منهما.
وتشير الادعاءات التي أثارها الصحفي عبد القادر سيلفي إلى أن إعفاء المسؤولَين جاء عقب رفضهما التوقيع على قرار إدراج شركة “تيرا” في السوق المالية، استناداً إلى تقييمهما لهيكل الشركة بأنه ضعيف وغير مهيأ للطرح العام. ورغم إتمام عملية الطرح العام للشركة بعد شهرين تقريباً في ديسمبر 2022، فقد نفت هيئة سوق المال “رسمياً” وجود أي صلة بين التغييرات الإدارية وبين الاعتراضات الموجهة لطرح الشركة.
مسار نمو صندوق تيرا للخدمات المالية والجدل حول فئة المستثمرين الأوائل
يحتل “الصندوق الحر الأول” التابع لـ “تيرا بورتفوي” والمتداول بالرمز “TLY” موقع الصدارة في التحقيقات، بالنظر إلى التحولات الاستثنائية التي شهدها تركيبه المالي وحجم قاعدته الاستثمارية. ففي بداية عام 2025، لم يكن الصندوق يضم سوى 11 مستثمراً فقط. وبحلول يونيو 2025، ارتفع العدد إلى 159 مستثمراً بالتوازي مع بلوغ أصول الصندوق نحو 29.97 مليار ليرة تركية.
وعقب فتح الصندوق لشريحة أوسع من المتعاملين، شهدت قاعدته الجماهيرية توسعاً هائلاً لتتجاوز 100 ألف مستثمر، حيث سجل الصندوق 102,616 مستثمراً قبيل قرار التصفية، ووصل إلى 103,757 مستثمراً بالتزامن مع صدور قرار التصفية من هيئة سوق المال في 17 سبتمبر 2026، بحجم أصول بلغ 243.6 مليار ليرة تركية.
ويرتكز الجدل القائم على الشريحة الأولى المكونة من 159 مستثمراً الذين دخلوا الصندوق قبل إتاحته للكافة، حيث تزامن دخولهم مع صعود قياسي وغير عادي في سعر الصندوق، مما مكنهم من تحقيق أرباح طائلة قبل انضمام عشرات الآلاف من المستثمرين الجدد. وتطالب المراجعات الرقابية بفحص تحركات الأموال وعمليات البيع الخاصة بهؤلاء المستثمرين، مع التأكيد على عدم صدور أي حكم قضائي بات يثبت ارتكابهم لمخالفات جنائية حتى الآن.
الإجراءات القضائية والشبهات المالية والتداعيات السياسية
أسفرت مراجعات هيئة سوق المال المتعلقة بالتعاملات على أسهم شركة “تيرا للخدمات المالية القابضة” عن تقديم بلاغات جنائية إلى النيابة العامة بحق 37 شخصاً. وتضمنت قائمة الملاحقين أسماء بارزة، في مقدمتهم رئيس مجلس إدارة “تيرا القابضة” إمرة تيزمن” وآخرين.
وقد أصدرت الهيئة قرارات بحظر التعامل في الأسواق المالية لمدة عامين بحق الأشخاص الشاملين بالبلاغات، فيما اتخذت السلطات القضائية قرارات بالتوقيف والحبس الاحتياطي لعدد من المشتبه بهم مع استمرار الإجراءات القانونية.
وفي السياق ذاته، امتدت نطاقات التحقيق لتبحث في تعاملات مالية مرتبطة بشخصيات سياسية، حيث جرى فحص ملف الوزيرة السابقة فاطمة بتول سايان كايا وزوجها إلياس كايا. وتتطرق الشبهات إلى تحويل استثمار بقيمة 163 مليون ليرة تركية تقريباً إلى حصيلة مبيعات بلغت 2.17 مليار ليرة تركية، مما دفع السلطات المخولة إلى مخاطبة البنوك لنقل الأموال المودعة في حساباتهما إلى “بنك الصناديق الموحد”.

