تشهد الساحة السياسية التركية حراكاً نقدياً لافتاً يقوده أحد أعمدة التأسيس في حزب العدالة والتنمية، حيث قدم رئيس البرلمان التركي الأسبق من الحزب الحاكم بولنت أرينج قراءة تحليلية معمقة وشاملة للأوضاع الراهنة، ركزت في جوهرها على اختلالات النظام الرئاسي وضرورة العودة إلى مبادئ دولة القانون.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس لتسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين النهج التأسيسي للحزب والواقع الإداري والسياسي الحالي
هيكلية النظام الرئاسي: بين سرعة القرار وغياب التوازن
يرى أرينج أن نظام الحكم الرئاسي بصيغته الحالية بات مصدراً لإنتاج المشكلات بدلاً من حلها، داعياً إلى مراجعة جذرية وشاملة لهذا النظام. وفي مقارنة تحليلية، استشهد بالنموذج الأمريكي حيث يواجه الرئيس قيوداً مؤسسية حتى في تعيين السفراء، بينما يفتقر النظام التركي إلى آليات الدفع والجذب، مما أدى إلى اتخاذ قرارات متسارعة يتم التراجع عنها أو تصحيحها لاحقاً نتيجة غياب الدراسة الكافية.
وعلى صعيد الجهاز الإداري للدولة، انتقد أرينج بشدة إلغاء مناصب وكلاء الوزارات، واصفاً إياهم بـ”ذاكرة الوزارات”. هذا التحول البيروقراطي أدى بحسب رؤيته إلى إضعاف الذاكرة المؤسسية للدولة، مما جعل الإدارة تفتقر إلى العمق والخبرة المتراكمة التي كان يوفرها هؤلاء المسؤولون التكنوقراط.
استقلال القضاء والمنظور الأخلاقي للاقتصاد
في ملف العدالة، وجه أرينج رسالة مباشرة بضرورة الالتزام المطلق بقرارات المحكمة الدستورية التركية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبراً أن العودة إلى مبادئ دولة القانون ليست خياراً بل ضرورة ملحة. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل الجدل الدائر حول عدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية الصادرة عن جهات عليا.
ولم تقتصر انتقاداته على الجانب القانوني الصرف، بل امتدت لتشمل السياسات الاقتصادية من منظور أخلاقي وديني. فقد شن هجوماً حاداً على نظام “الودائع المحمية بالعملة” ، واصفاً إياه بأنه تسبب في ضياع “حقوق العباد”. وأوضح أن اتخاذ قرارات خاطئة تضرر منها ملايين المواطنين يستوجب التصحيح وطلب “المسامحة” من الشعب، محذراً من التبعات الأخلاقية للسياسات التي تؤدي إلى تآكل مدخرات الغالبية لصالح فئات محدودة.
هوية حزب العدالة والتنمية: تآكل الذاكرة والابتعاد عن المشورة
سجل أرينج اعتراضاً قوياً على ما وصفه بـ”محو الذاكرة التأسيسية” للحزب، منتقداً اختزال تاريخ الحزب في شخص واحد في المواد الإعلامية والاحتفالية. وذكر بوضوح أن الحزب قام على أكتاف مجموعة من القادة، من بينهم عبد الله غول وعلي باباجان وأرينج نفسه، مؤكداً أن “التاريخ لا يمكن تزييفه” وأن تجاهل رفاق الدرب الأوائل يضعف البنية التنظيمية.
كما رصد تراجعاً حاداً في ثقافة “الاستشارة” التي كانت تميز الحزب في بداياته، حيث تحول القرار من العقل الجمعي إلى المركزية المفرطة. وأبدى استغرابه من تحمل رئيس الجمهورية لأعباء عمل ضخمة ومنفردة، داعياً إلى ضرورة توزيع السلطات والمسؤوليات لتحقيق كفاءة أعلى في الإدارة.
السياسة الخارجية والمسار الثقافي
في شأن التموضع الدولي، دعا أرينج إلى إحياء هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، معتبراً إياه المصدر الحقيقي لسمعة تركيا ومكانتها العالمية. ورفض التوجه نحو منظمة شنغهاي، مؤكداً أن علاقات تركيا مع روسيا والصين يجب ألا تكون بديلاً عن مسارها الغربي، واصفاً الحديث عن الانضمام لشنغهاي بأنه “تغيير في المحور” لا يخدم مصالح البلاد الاستراتيجية.
الموقف السياسي النهائي: نقد من الداخل
رغم حدة الطرح، حسم أرينج موقفه من البقاء داخل صفوف حزب العدالة والتنمية، مؤكداً أنه لن ينضم إلى المعارضة ولن يسعى لهدم الكيان الذي ساهم في بنائه. ومع ذلك، شدد على أنه سيتمسك بحقه في الانتقاد إلى أقصى حد، متبنياً دور “الناقد الداخلي” الذي يسعى للإصلاح لا للانشقاق.

