أظهر استطلاع رأي حديث محدودية الثقة العامة في المسار الجديد للحوار بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول فرص نجاح العملية السياسية التي أُعيد إطلاقها أواخر عام 2024 تحت مسمى “تركيا خالية من الإرهاب”.
الاستطلاع، الذي أُجري على مستوى البلاد وشمل نحو ألفي مشارك في عدد من الولايات، يعكس مزاجاً عاماً يميل إلى الحذر والتشكيك، رغم التصريحات الرسمية التي تؤكد إحراز تقدم في العملية.
نتائج الاستطلاع: تفاؤل محدود وثقة ضعيفة
أظهرت البيانات أن نسبة محدودة فقط من المشاركين تعتقد بإمكانية نجاح العملية بشكل إيجابي، في حين عبّر قطاع أكبر عن رفضه أو شكوكه، بينما توزعت بقية الآراء بين الحياد وعدم الحسم أو حتى إنكار وجود مسار فعلي من الأساس.
وعند قياس مستويات الثقة، برز اتجاه واضح نحو انخفاضها، حيث عبّر ما يقارب نصف المشاركين عن انعدام الثقة أو ضعفها الشديد، مقابل أقل من ربع المستطلعة آراؤهم الذين أبدوا ثقة صريحة بدرجات متفاوتة.
تعكس هذه النتائج فجوة بين الخطاب السياسي الرسمي وتوقعات الشارع، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات ملموسة على تقدم سريع أو نتائج واضحة.
خلفية المسار الجديد وشروطه
تقوم المبادرة الحالية على تفاهم غير مباشر بين الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية وحليفه القومي حزب الحركة القومية، وبين حزب العمال الكردستاني، بهدف إنهاء الصراع المسلح المستمر منذ عقود.
ويفترض أن تشمل العملية تخلي الحزب عن السلاح، مقابل ترتيبات قانونية وإطار سياسي أوسع يتم بحثه داخل البرلمان التركي. غير أن الخلاف لا يزال قائماً حول تسلسل الخطوات، حيث تصر أنقرة على خطوات ميدانية أولاً، بينما تطالب الأطراف الكردية بضمانات قانونية متقدمة.
توزيع المسؤولية: الحكومة في الواجهة
حمّل المشاركون في الاستطلاع المسؤولية الأساسية عن تقدم العملية للحكومة، تليها المؤسسة التشريعية، ثم أطراف أخرى مثل المعارضة السياسية وقيادة الحزب الكردي، بما في ذلك عبد الله أوجلان.
غير أن غالبية المشاركين ترى أن الجهات المسؤولة لا تؤدي دورها بالشكل المطلوب، وهو ما يعمّق أزمة الثقة ويؤثر على مصداقية المسار برمّته.
جذور الصراع ومحاولات سابقة
يعود النزاع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني إلى عام 1984، وقد أسفر عن مقتل أكثر من أربعين ألف شخص. وشهدت البلاد محاولة سابقة للتسوية بدأت في 2012 لكنها انهارت في 2015، لتعود المواجهات المسلحة خصوصاً في مناطق الجنوب الشرقي.
هذا الإرث الثقيل يلقي بظلاله على أي محاولة جديدة، ويجعل الرأي العام أكثر حذراً تجاه الوعود السياسية.
تطورات حديثة: بين التقدم والتعثر
شهدت العملية الحالية محطات متباينة. فقد دعا عبد الله أوجلان في مطلع 2025 إلى إلقاء السلاح، فيما أعلن حزب العمال الكردستاني لاحقاً عزمه حل نفسه وإنهاء العمل المسلح.
في المقابل، لا تزال الخطوات القانونية غائبة، رغم إعداد تقرير برلماني يتضمن خريطة طريق للتشريعات المرتقبة. وتتهم أطراف كردية، وعلى رأسها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الحكومة بالتباطؤ في ترجمة الالتزامات إلى قوانين.
من جانبه، أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن العملية تجاوزت “عتبات حرجة”، مشدداً على الاستمرار فيها “بصبر”. إلا أن قيادات ميدانية في الحزب، مثل مراد قره يلان، وصفت المسار بأنه “مجمّد”، مشيرة إلى انقطاع التواصل مع أوجلان وغياب الضمانات القانونية.
مبادرة بهتشلي: محاولة لتأطير العملية مؤسسياً
في خطوة لاحتواء الانتقادات المتعلقة بغياب آليات واضحة، طرح زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي مبادرة لتشكيل لجنتين تشرفان على إدارة العملية.
تتضمن المقترحات إنشاء لجنة برلمانية تضم ممثلين عن جميع الأحزاب، إلى جانب هيئة تنفيذية بقيادة نائب الرئيس تضم وزارات معنية وجهاز الاستخبارات. وتهدف هذه الخطوة إلى إضفاء طابع مؤسسي وتنظيمي على المسار، وتوضيح آليات اتخاذ القرار.
دلالات
تكشف نتائج الاستطلاع عن معضلة مزدوجة تواجه عملية السلام: فجوة الثقة الداخلية، وتعقيد التوازنات السياسية. فدخول حزب الحركة القومية، المعروف بمواقفه المتشددة، في رعاية العملية يمنحها ثقلاً سياسياً، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول حدود التنازلات الممكنة.
كما أن غياب التشريعات حتى الآن يعزز الانطباع بأن العملية لا تزال في إطار تفاهمات غير مكتملة، ما يضعف ثقة الجمهور ويمنح المعارضين مساحة أوسع للتشكيك.
على المستوى الإقليمي، تأتي هذه التطورات في سياق حساس يتداخل فيه الملف الكردي مع ترتيبات أمنية أوسع في سوريا والعراق، ما يزيد من تعقيد أي تسوية داخلية.
خلاصة
الثقة الشعبية في مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني لا تزال ضعيفة، رغم إطلاق مبادرة جديدة منذ 2024. غياب الخطوات القانونية الواضحة واستمرار الخلاف حول آليات التنفيذ يهددان فرص نجاح العملية.

