قدم الكاتب الصحفي التركي ممدوح بيراقدار أوغلو قراءة تحليلية للمشهد السياسي الراهن في تركيا، بعد تفجر قضية تسريب المجلد الثاني من “محاضر لقاءات إمرالي” الخاصة بزعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان، والتي نشرها الصحفي محمود أوراك عبر وكالة “سور” قبل أن تُحذف ويُتداول نبأ استقالة الصحفي، مما أضفى صبغة من الغموض والريبة على توقيت ومحتوى هذه التسريبات.
ينطلق بيراقدار أوغلو في تحليله على يوتيوب من التأكيد القاطع على صحة “محاضر لقاءات إمرالي” المسربة بنسبة مائة بالمائة، معتبراً أن توقيت نشرها وحذفها اللاحق ليس محض صدفة، بل هو فعل متعمد تم بالتنسيق بين حزب الحركة القومية وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي.
قراءة في غضب أوجلان وتآكل التحالفات
يشير بيراقدار أوغلو إلى أن المجلد الثاني من المحاضر يظهر عبد الله أوجلان في حالة من الإحباط الشديد، حيث يشعر بأنه قد تم استنزافه واستخدامه سياسياً في مسألة عملية السلام الكري الثانية. وينقل المحلل عن أوجلان تساؤلاته الوجودية حول جدوى الخطوات أحادية الجانب التي اتخذها بإعلان تخلي العمال الكردستاني عن السلاج، منتقداً تعامل السلطة التي يراها تمارس “مقايضة خيول” بدلاً من السعي لحل تاريخي حقيقي.
وبحسب رؤية بيراقدار أوغلو، فإن أوجلان حين يتحدث عن “الدولة” في هذه المحاضر، فهو يقصد مباشرة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي بات يختزل مفاصل الدولة في شخصه، متهماً إياه بإرهاق كل من أوجلان ودولت بهتشلي معاً لتحقيق مكاسب سلطوية من دون تحقيق خطوات قانونية ملموسة لتسوية القضية وتقنين أوضاع عناصر الكردستاني.
رهانات بهتشلي والمناورة الاستراتيجية لأردوغان
يرى بيراقدار أوغلو أن زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، يمر بلحظة فارقة، حيث خاطر بتاريخه السياسي وقاعدته القومية في سبيل مشروع “تركيا بلا إرهاب”، وهو ما أدى لتراجع شعبية حزبه بشكل حاد في استطلاعات الرأي. وفي المقابل، يصف المحللُ الرئيسَ أردوغان بأنه لاعب سياسي يركز حصراً على البقاء في السلطة والفوز بانتخابات ٢٠٢٨. ويتوقع بيراقدار أوغلو أن أردوغان قد يضطر للتضحية بتحالفه الحالي مع بهتشلي للبحث عن شركاء جدد من أطياف قومية أخرى، مثل حزب الظفر أو الحزب الجيد، وحزب الرفاه الجديد وأحزاب يمينية صغيرة إخرى لضمان عدم ظهوره بمظهر من أطلق سراح أوجلان “الإرهابي” بمفرده أمام الناخبين
الرسائل الصارمة للداخل الكردي والقوى الإقليمية
يسلط بيراقدار أوغلو الضوء على هجوم أوجلان العنيف ضد ما وصفه بـ”القومية الكردية البدائية”، حيث وجه انتقادات لاذعة لقيادات قنديل والبارزانيين والطالبانيين، على حد وصفه. وفيما يخص صلاح الدين دميرتاش، يوضح المحلل أن أوجلان كان حازماً في مطالبته إما بالمساهمة الفعلية في العملية أو الصمت، مؤكداً على دوره كـ “رئيس للمفاوضين”.
أما إقليمياً، فيستعرض بيراقدار أوغلو ادعاءات أوجلان حول تفاهمات سرية بين هاكان فيدان وإسرائيل، وتحركات تركية بريطانية مشتركة في سوريا، مع تحذير شديد لمقاتلي “وحدات حماية الشعب” من أنهم سيواجهون مصيرهم وحيدين أمام الدولة التركية بمجرد انتهاء المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
المحرك الاقتصادي ومعضلة سيادة القانون
يربط بيراقدار أوغلو التحولات السياسية المرتقبة بالأزمة المالية الخانقة، مشيراً إلى أن اعتراف أردوغان الأخير بسوء الوضع الاقتصادي هو تمهيد لخطوات قادمة. ويؤكد المحلل أن “نضوب الأموال” هو المحرك الفعلي لأي انفتاح سياسي، إذ لن تتدفق الاستثمارات الأجنبية ما لم تلمس تغييراً حقيقياً في استقلال القضاء وسيادة القانون، بعيداً عن أساليب “الدولة العميقة” التي انتقدها أوجلان ووصفها بـ “الكونتر-كريلا”. ويرى الكاتب أن الدولة التركية بحاجة للعودة إلى نموذج “رأسمالية الدولة” الذي وضعه أتاتورك، مع الالتزام الصارم بالعلمانية كضمانة للوحدة الوطنية وجذب الثقة الدولية.
خلاصة
يجزم ممدوح بيراقدار أوغلو بأن تسريبات إمرالي هي نتاج ضغوط مشتركة لإرغام أردوغان على حسم خياراته، في ظل واقع اقتصادي مرير يجعل من إصلاح القضاء والتحالفات السياسية ضرورة حتمية للنجاة. وتنبئ هذه المعطيات بقدوم زلزال سياسي سيعيد تشكيل الخريطة الحزبية في تركيا، حيث سيضطر أردوغان للقيام بمناورات راديكالية لضمان استمراريته في الحكم وتأمين التدفقات المالية اللازمة.

