سليم نيازي أوغلو
تترنح منطقة الشرق الأوسط حالياً بين خيارين أحلاهما مر؛ فإما الذهاب نحو تسوية سياسية شاملة تنهي عقوداً من العداء، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية كبرى قد لا تعرف حدوداً. في هذا السياق، تبرز التحركات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران كفصل جديد من فصول “حافة الهاوية”، حيث تتقاطع لغة التهديد العسكري مع القنوات الدبلوماسية الخلفية لتشكيل واقع جيوسياسي جديد، تبرز فيه قضية مضيق هرمز كمركز ثقل إستراتيجي يتجاوز مجرد كونه ممرّاً مائياً.
إدارة الضغط والفرصة الأخيرة في البيت الأبيض
اتخذت الإدارة الأمريكية تحت قيادة دونالد ترامب خطوة لافتة بتعليق هجوم عسكري واسع النطاق كان قد أُعِدّ للرد على طهران، وذلك في أعقاب تلقي مقترح سلام إيراني جديد. هذا التراجع التكتيكي لا يشي بإنهاء التوتر، بل يهدف إلى منح الدبلوماسية “فرصة أخيرة” تحت وطأة التهديد بالقوة الشاملة التي لا تزال قائمة كخيار مطروح في أي لحظة حال فشل المفاوضات. وتتطلع واشنطن من خلال هذه المناورة إلى تحقيق توازن دقيق؛ فهي تسعى لتفادي استنزاف عسكري واقتصادي كبير، بينما تحافظ في الوقت ذاته على سياسة “الضغط الأقصى” لضمان كبح الطموحات النووية الإيرانية وتقليص نفوذها الإقليمي.
المظلة الإقليمية وقنوات الوساطة المكثفة
لم تكن خطوة واشنطن بالتهدئة وليدة الصدفة، بل جاءت استجابة لضغوط حثيثة من حلفائها الإقليميين في السعودية والإمارات وقطر، الذين يدركون أن أي مواجهة شاملة لن تبقى محصورة في الجغرافيا الإيرانية، بل ستطال منشآتهم الحيوية واستقرار أسواق الطاقة العالمي. وتبرز باكستان في هذا المشهد كقناة اتصال حيوية لنقل الرسائل والمقترحات بين العاصمتين، رغم التحديات المتعلقة بتغيير الشروط المستمر وضيق الوقت. وتتعزز هذه الهشاشة الأمنية بوقائع ميدانية، كاعتراض السعودية لطائرات مسيرة انطلقت من العراق، مما يؤكد أن الساحات الإقليمية لا تزال قابلة للانفجار رغم سريان الهدنة المفترضة.
التحول الإيراني من الردع العسكري إلى “السيادة المقننة“
في المقابل، تسعى طهران لترسيخ معادلة قوة جديدة تؤكد عدم انكسارها أمام الضغوط العسكرية. وتجلى ذلك في إعلان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عن تأسيس “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA) لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويمثل هذا التطور انتقالاً جوهرياً من استخدام القوة الخشنة المتمثلة في التهديد بإغلاق المضيق عسكرياً، إلى “السيطرة الناعمة” من خلال مأسسة الإشراف عليه وفرض لوائح تنظيمية ورسوم عبور.
وتهدف هذه الخطوة إلى دمج أذرع إيران العسكرية، ولا سيما الحرس الثوري، ضمن هيكلية مدنية قانونية توفر غطاءً دبلوماسياً أمام المجتمع الدولي. ومن خلال هذه الهيئة، تسعى طهران لتحويل أي احتكاك دولي مستقبلي في المضيق إلى تعدٍّ على سيادتها الوطنية ومؤسساتها الرسمية، مما يمنحها أوراق ضغط مستمرة في مفاوضاتها حول الملف النووي ورفع العقوبات.
المواجهة مع القانون الدولي وتبعات أمن الطاقة
يضع القرار الإيراني المجتمع الدولي في مأزق قانوني وأمني معقد؛ إذ إن مضيق هرمز يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تضمن “حق المرور العابر” دون قيود. وفرض سلطة إيرانية أحادية قد يعني تحول الممر الملاحي إلى أداة للابتزاز السياسي، حيث يصبح تدفق خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية رهناً بتوافق الدول المصدرة أو المستوردة مع التوجهات الإيرانية.
هذا الواقع يضع القوى العالمية أمام خيارين صعبين: إما الاعتراف الضمني بالسلطة الإيرانية الجديدة على المضيق، أو اللجوء إلى حماية السفن بقوافل عسكرية، وهو ما يرفع من مخاطر الصدام المباشر ويؤدي بالضرورة إلى قفزات هائلة في أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين عالمياً.
آفاق المفاوضات ومقامرة “حافة الهاوية“
على الرغم من الغموض الذي يكتنف المقترح الإيراني، إلا أن المعلومات تشير إلى تفاهمات محتملة تشمل وقف التصعيد وإعادة فتح المضيق مقابل رفع جزئي للعقوبات والإفراج عن أموال مجمدة، مع مرونة أمريكية في السماح بأنشطة نووية سلمية تحت رقابة دولية. ومع ذلك، يظل انعدام الثقة التاريخي والعقبات التقنية المتعلقة بمستويات تخصيب اليورانيوم حجر عثرة أمام الوصول إلى اتفاق مستدام. إن قرار ترامب تعليق الهجوم هو في جوهره اختبار نهائي لإرادة الحل السلمي، قبل أن تعود لغة السلاح لفرض منطقها على المشهد الإقليمي المثقل بالأزمات.
خلاصة
تمر العلاقة بين واشنطن وطهران بمنعطف مصيري يمزج بين الدبلوماسية القسرية ومحاولات طهران مأسسة سيادتها على مضيق هرمز، مما يضع أمن الطاقة العالمي أمام اختبار حقيقي بانتظار نتيجة “هدنة الفرصة الأخيرة”.

