شهد شرق البحر المتوسط تصعيداً جديداً على خلفية الحصار المفروض على قطاع غزة، بعدما أعلنت جهات منظمة لأسطول مساعدات إنساني انطلق من السواحل التركية أن القوات الإسرائيلية بدأت اعتراض السفن المتجهة نحو القطاع، في محاولة لمنعها من الوصول إلى غزة المحاصرة.
الأسطول، الذي أطلق عليه اسم “أسطول الصمود العالمي”، كان قد أبحر من جنوب غرب تركيا ضمن حملة بحرية دولية تهدف إلى كسر الحصار البحري المفروض على غزة، وإيصال مساعدات إنسانية إلى السكان الذين يواجهون أزمة إنسانية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
المنظمون: القوات الإسرائيلية بدأت الصعود إلى السفن
القائمون على الحملة أعلنوا عبر منصة “إكس” أن زوارق عسكرية إسرائيلية بدأت اعتراض السفن في عرض البحر، مشيرين إلى أن قوات إسرائيلية شرعت فعلياً في الصعود إلى إحدى السفن خلال ساعات النهار.
ووفق البيان الصادر عن الأسطول، فإن إحدى السفن جرى توقيفها غرب جزيرة قبرص، في وقت وصف فيه المنظمون العملية بأنها “اعتراض بالقوة” ضد مهمة إنسانية غير مسلحة.
وأكد المشاركون في الحملة أنهم يطالبون بـ”مرور آمن” للأسطول، معتبرين أن منع السفن من الوصول إلى غزة يمثل استمراراً للحصار الإسرائيلي الذي تصفه منظمات حقوقية وإنسانية بأنه أحد أبرز أسباب الكارثة الإنسانية المتفاقمة داخل القطاع.
كما اتهم المنظمون إسرائيل بمحاولة “تطبيع العنف” في المنطقة، معتبرين أن استمرار التعامل العسكري مع المبادرات المدنية والإنسانية يشكل تهديداً يتجاوز حدود غزة ليطال الاستقرار الإقليمي الأوسع.
إسرائيل تؤكد تمسكها بالحظر البحري
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن تل أبيب لن تسمح بأي خرق لما وصفته بـ”الحصار البحري القانوني” المفروض على قطاع غزة.
وطالبت السلطات الإسرائيلية المشاركين في الأسطول بالعودة وتغيير مسارهم فوراً، معتبرة أن التحرك البحري يمثل “استفزازاً سياسياً” وليس مجرد نشاط إنساني.
ورغم التصريحات الإسرائيلية الحازمة بشأن منع السفن من الوصول، لم تصدر تل أبيب في الساعات الأولى توضيحاً مباشراً بشأن تفاصيل عملية الاعتراض أو حجم القوة المستخدمة ضد الأسطول.
أسطول يضم عشرات السفن
الأسطول كان قد انطلق من جنوب غرب تركيا بمشاركة نحو خمسين سفينة، في واحدة من أكبر المبادرات البحرية المنظمة خلال الأشهر الأخيرة دعماً لغزة.
وتحمل السفن مساعدات إنسانية متنوعة تشمل مواد غذائية وأدوية ومستلزمات أساسية، في ظل استمرار التحذيرات الدولية من انهيار الأوضاع الإنسانية داخل القطاع بسبب نقص الغذاء والمياه والوقود والدواء.
ويأتي التحرك ضمن سلسلة مبادرات بحرية ومدنية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على غزة، والذي تشدد إسرائيل إجراءاته منذ بداية الحرب.
ثالث محاولة خلال عام واحد
“أسطول الصمود العالمي” يُعد ثالث مبادرة بحرية خلال عام واحد تحاول الوصول إلى غزة رغم القيود الإسرائيلية المشددة.
وكانت القوات الإسرائيلية قد اعترضت في نهاية نيسان/أبريل الماضي أسطولاً آخر في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، حيث قامت بإبعاد معظم الناشطين المشاركين إلى أوروبا.
كما اعتقلت إسرائيل ناشطين اثنين خلال تلك العملية، قبل أن تحتجزهما لعدة أيام داخل الأراضي الإسرائيلية ثم تقوم بترحيلهما لاحقاً.
اتهامات بانتهاكات داخل الاحتجاز الإسرائيلي
منظمات حقوقية اتهمت السلطات الإسرائيلية آنذاك بتنفيذ اعتقالات غير قانونية بحق الناشطين، مشيرة إلى تعرضهما لسوء المعاملة خلال فترة الاحتجاز.
في المقابل، نفت السلطات الإسرائيلية تلك الاتهامات، لكنها لم توجه أي لوائح اتهام رسمية بحق الناشطين قبل ترحيلهما، ما أثار انتقادات قانونية من جهات حقوقية اعتبرت أن عمليات الاعتراض البحرية تتم خارج الأطر القانونية الدولية.
غزة بين الحصار والحرب
تأتي هذه التطورات بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أكثر مراحله الإنسانية صعوبة منذ عقود.
فمنذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في خريف 2023، يواجه القطاع انهياراً واسعاً في البنية الصحية والخدمية، إلى جانب نقص حاد في الغذاء والمياه والوقود والأدوية، بحسب تقارير أممية ومنظمات إغاثة دولية.
وتتهم منظمات حقوقية إسرائيل باستخدام الحصار كأداة ضغط جماعي على السكان المدنيين، بينما تؤكد تل أبيب أن القيود البحرية والبرية تهدف إلى منع وصول الأسلحة والمواد العسكرية إلى الفصائل الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته، ترفض إسرائيل الاتهامات المتعلقة بوجود مجاعة أو نقص شامل في الإمدادات، مؤكدة أن المساعدات تدخل إلى القطاع وأن غزة “مليئة بالمؤن”، وفق تعبير مسؤولين إسرائيليين.
أبعاد سياسية وقانونية متزايدة
اعتراض الأساطيل الإنسانية لم يعد مجرد قضية أمنية أو بحرية، بل تحول إلى ملف سياسي وقانوني دولي متكرر يثير جدلاً واسعاً حول حدود السيادة البحرية والقانون الدولي الإنساني.
ويرى مراقبون أن تكرار اعتراض السفن المدنية في المياه الدولية يعكس تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحركات التضامن الدولية مع غزة، خصوصاً مع تنامي الغضب الشعبي العالمي تجاه استمرار الحرب والحصار.
كما أن مشاركة سفن انطلقت من تركيا تعيد إلى الأذهان أزمات سابقة شهدتها العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، خاصة منذ حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، التي ما تزال تمثل رمزاً مركزياً في الذاكرة السياسية المرتبطة بحصار غزة.
احتمالات التصعيد الدبلوماسي
التحرك الحالي قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التوترات الدبلوماسية، خاصة إذا تطورت عمليات الاعتراض إلى احتجاز ناشطين أو وقوع إصابات.
كما يُتوقع أن تواجه إسرائيل ضغوطاً إضافية من منظمات حقوقية ودولية تطالب بحرية وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، في وقت يتزايد فيه الجدل الدولي حول شرعية الحصار البحري واستمراره في ظل الكارثة الإنسانية المستمرة.
خلاصة
يعكس اعتراض الأسطول البحري المتجه إلى غزة تصاعد الصراع حول الحصار المفروض على القطاع، وسط مواجهة متجددة بين إسرائيل وحركات التضامن الدولية الساعية إلى كسر العزلة الإنسانية عن الفلسطينيين.
كما تكشف الحادثة عن تزايد الضغوط السياسية والقانونية المرتبطة بالحرب على غزة، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية وتوسع التحركات الدولية المناهضة للحصار.

