أوقفت السلطات التركية في إسطنبول أحد أبرز الأسماء المرتبطة بشبكات تهريب المخدرات الأوروبية، في عملية أمنية معقدة جاءت على خلفية واحدة من أكبر ضبطيات الكوكايين في التاريخ الحديث.
وتتقاطع هذه العملية مع تحقيقات إسبانية بشأن شحنة ضخمة تجاوزت ثلاثين طناً من الكوكايين تم ضبطها على متن سفينة شحن في المحيط الأطلسي.
تفاصيل العملية الأمنية في إسطنبول
في السادس عشر من أيار/مايو، نفذت أجهزة الاستخبارات التركية (MIT) بالتعاون مع وحدات استخبارات الشرطة ومكافحة المخدرات عملية مشتركة في منطقة بنديك بإسطنبول، أسفرت عن توقيف الهولندي فيلهيلموس أدريانوس لايديكيرز، البالغ من العمر واحداً وخمسين عاماً.
المشتبه به هو شقيق تاجر المخدرات الهارب جوزيف يوهانس لايديكيرز، المعروف في الأوساط الإجرامية الأوروبية بلقب “بوله يوس”. وكان مطلوباً دولياً بموجب نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول بتهم تتعلق بغسل الأموال.
ارتباط العملية بضبطية تاريخية في إسبانيا
تشير المعطيات الأمنية إلى أن توقيف لايديكيرز في تركيا مرتبط مباشرة بعملية نفذها الحرس المدني الإسباني مطلع أيار/مايو، حين تم اعتراض سفينة الشحن “أركونيان” جنوب جزر الكناري.
السفينة، التي ترفع علم جزر القمر، كانت قد انطلقت من غرب أفريقيا باتجاه البحر الأبيض المتوسط، وعلى متنها شحنة من الكوكايين بلغ وزنها الرسمي ثلاثين ألفاً ومئتين وخمسة عشر كيلوغراماً، موزعة على أكثر من ألف ومئتي طرد. ووصفت السلطات الإسبانية هذه العملية بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ ضبط المخدرات على متن سفينة واحدة.
بعض التقارير التركية قدرت الشحنة بنحو أربعين طناً، إلا أن الجهات الإسبانية أكدت الأرقام الرسمية الأقل.
مسار الشحنة وآلية التهريب
التحقيقات الإسبانية كشفت أن الشحنة كانت جزءاً من عملية تهريب معقدة تديرها شبكة “موكرو مافيا”، وهي منظمة إجرامية مقرها هولندا وتعد من أبرز شبكات تهريب الكوكايين إلى أوروبا.
كان من المخطط أن يتم إسقاط الشحنة قرب السواحل الإيطالية، تحديداً بالقرب من صقلية، حيث تتولى زوارق سريعة استلامها ونقلها إلى البر الأوروبي. وقد عثرت السلطات على أكثر من اثنين وأربعين ألف لتر من الوقود على متن السفينة، يُعتقد أنه مخصص لتلك الزوارق.
كما تم العثور على الكوكايين مخبأً داخل ممر جانبي في السفينة، بينما كانت مجموعة مسلحة مكونة من ستة أفراد مزودين بأسلحة رشاشة ومسدسات تتولى حراسة الشحنة لمنع الاستيلاء عليها من قبل شبكات منافسة.
هوية مالكي السفينة والجدل حول الارتباط التركي
رغم تقارير إعلامية تركية تحدثت عن تورط مشغلين أتراك للسفينة، لم تؤكد السلطات الإسبانية رسمياً هذه المعلومات. وتشير السجلات إلى أن السفينة مملوكة لشركة “سيرينيتي شيبينغ” المسجلة في سيراليون، والتي استحوذت عليها في شباط/فبراير 2025.
هذا التباين بين الروايات الرسمية والتقارير الإعلامية يعكس تعقيد الشبكات العابرة للحدود، حيث تتداخل الملكيات القانونية مع عمليات تشغيل غير مباشرة عبر وسطاء وشركات واجهة.
ملف جوزيف لايديكيرز: أحد أبرز تجار الكوكايين في أوروبا
تصف الشرطة الهولندية جوزيف لايديكيرز بأنه من الشخصيات المحورية في تجارة الكوكايين الدولية. وقد حكمت عليه محكمة في روتردام غيابياً في حزيران/يونيو 2024 بالسجن أربعة وعشرين عاماً، بعد إدانته في قضايا شملت تهريب أكثر من سبعة آلاف كيلوغرام من الكوكايين، وارتكاب عملية سطو مسلح في فنلندا، وإصدار أوامر بالقتل.
ولا يزال لايديكيرز هارباً، مع عرض مكافأة قدرها مئتا ألف يورو مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله. كما يخضع لتحقيقات إضافية، من بينها قضية اختفاء امرأة في أمستردام عام 2019.
تقارير صحفية دولية أشارت إلى أنه كان يقيم في سيراليون ويحظى بحماية على مستويات عليا، حيث ظهر في مناسبة رسمية إلى جانب الرئيس جوليوس مادا بيو مطلع عام 2025، ما أثار جدلاً واسعاً ودفع الحكومة هناك إلى فتح تحقيق داخلي.
سوابق في تركيا وشبهات فساد قضائي
أعادت العملية الأخيرة تسليط الضوء على تعامل السلطات التركية مع شبكة لايديكيرز في السنوات الماضية. فقد سبق توقيف شقيقه في تركيا عام 2024، قبل أن يتم الإفراج عنه، ثم إعادة إدراجه على قائمة المطلوبين في القضية ذاتها.
وفي سياق متصل، أُفرج عن عدد من المشتبه بهم بقرار من المحكمة الجنائية العليا في إسطنبول، قبل أن يفرّوا لاحقاً عقب اعتراض النيابة العامة وإصدار مذكرات توقيف جديدة. وأشارت تقارير إعلامية إلى تعليق مهام القضاة الذين أصدروا قرارات الإفراج، على خلفية اتهامات بتلقي رشاوى.
قضايا موازية: ضبطيات أخرى ذات صلة بتركيا
تعد قضية “أركونيان” ثاني أكبر عملية ضبط كوكايين هذا العام ترتبط بخيوط تركية. ففي كانون الثاني/يناير، صادرت السلطات الإسبانية نحو عشرة أطنان من الكوكايين من سفينة “يونايتد إس” قبالة جزر الكناري.
لاحقاً، فتحت النيابة التركية تحقيقاً بعد تبين وجود مواطنين أتراك ضمن طاقم السفينة، وتم توقيف عشرة مشتبه بهم داخل تركيا، من بينهم شخص قُدم على أنه مالك السفينة. وكانت المخدرات مخبأة داخل شحنة ملح في نحو ثلاثمئة طرد.
دلالات أوسع: تركيا بين مكافحة الجريمة والاتهامات الدولية
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الانتقادات الدولية التي تعتبر أن تركيا أصبحت نقطة عبور أو ملاذاً لبعض شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وتشير هذه الانتقادات إلى حالات تمكن فيها مشتبه بهم أجانب من الإقامة أو الاستثمار أو حتى مغادرة البلاد رغم وجود مذكرات توقيف بحقهم.
في المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن العمليات الأمنية الأخيرة تعكس جدية أجهزتها في ملاحقة الشبكات الإجرامية الدولية، وتبرز تعاونها مع الشركاء الأوروبيين في مكافحة تهريب المخدرات.
تكشف هذه القضية عن تحولات نوعية في بنية تهريب الكوكايين نحو أوروبا، حيث باتت الشبكات تعتمد بشكل متزايد على مسارات بحرية معقدة تمتد من غرب أفريقيا إلى المتوسط، مع استخدام سفن تجارية كغطاء لوجستي.
كما تبرز التداخل بين الجريمة المنظمة والبيئات القانونية الهشة أو المتشابكة، حيث يمكن أن تؤدي الثغرات القضائية أو تضارب الصلاحيات إلى إضعاف جهود الملاحقة. وفي هذا السياق، تمثل تركيا حالة اختبار مهمة، بين كونها شريكاً أمنياً فاعلاً أو نقطة ضعف في منظومة المكافحة الدولية.
خلاصة
توقيف لايديكيرز في إسطنبول يكشف امتداد شبكة تهريب الكوكايين الأوروبية إلى تركيا، ويرتبط بأكبر ضبطية بحرية في إسبانيا. القضية تعكس تعقيدات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتضع دور تركيا تحت تدقيق متزايد دولياً.

