تتجه الأنظار في الداخل التركي نحو تحرك قضائي وأمني واسع النطاق استهدف بنية اقتصادية مرتبطة بجماعة إسلامية تعرف في تركيا بـ”سليمانيين” (سليمانجيلار)، نسبة إلى اسم مؤسسها الراحل سليمان حلمي طوناهان، حيث باشرت السلطات إجراءات قانونية صارمة شملت مداهمات متزامنة في عدة ولايات.
بحسب بيان السلطات، فإن هذا التحرك لا يقتصر على كونه ملاحقة أمنية عادية، بل يمثل محاولة لتفكيك شبكة مالية معقدة تُتهم باستغلال الواجهات التجارية لتمرير تدفقات نقدية مشبوهة.
المسارات القانونية وطبيعة الاتهامات
وجهت النيابة العامة في أنقرة للمستهدفين، وعلى رأسهم “أليهان كوريش” الذي وصفها بأنه “زعيم المجموعة”، حزمة من التهم تشمل تشكيل وإدارة تنظيم غير مشروع، والانخراط في عضويته، إضافة إلى اتهامات صريحة بغسل الأموال الناتجة عن أنشطة إجرامية، على حد قولها. كما يمتد نطاق الملاحقة ليشمل الاحتيال الممنهج الذي يلحق الضرر بالمؤسسات والمنظمات الحكومية، مع رصد مخالفات جسيمة لقانون الإجراءات الضريبية.
التشريح المالي: تقارير “ماساك”
اعتمدت جهات التحقيق بشكل جوهري على تقرير فني صادر عن مجلس التحقيق في الجرائم المالية (MASAK)، وهو التقرير الذي رسم خارطة طريق للعمليات المالية المشبوهة المرتبطة بالشركات التابعة للمجموعة.
وقد رصد التقرير ملاحظات تقنية، زاعما حدوث قفزات مفاجئة وغير منطقية في أحجام العمليات المالية وحركات بيع وشراء السلع لهذه الشركات منذ عام ٢٠٢٠، وهي زيادة لا تتماشى مع المعطيات الاقتصادية العامة أو التاريخ التجاري لتلك الكيانات، وفق التقرير.
وذكر التقرير المالي أن بعض هذه الشركات تفتقر إلى أي نشاط تجاري فعلي أو سجلات حقيقية لتبادل السلع، بل إنها تفتقر حتى إلى الأصول الرأسمالية أو الموارد الذاتية، مشيرا إلى احتمالية استخدامها كمجرد “قنوات عبور” للأموال.
كما رصد التقرير دورات نقدية مكثفة تمر عبر مؤسسات دفع وسيطة، مع وجود شبهات قوية حول تحويلات بالعملات الأجنبية قادمة من الخارج. ولفت إلى أن هذه التدفقات تثير تساؤلات حول المصدر الحقيقي لهذه الأموال، خاصة وأن المساهمين في تلك الشركات قاموا بضخ مبالغ ضخمة كزيادات في رأس المال دون تقديم تفسيرات منطقية لمصدر تلك السيولة.
تضمنت الاتهامات الموجهة للمستهدفين قضية الفواتير الوهمية، حيث يُشتبه في استخدامها لتغطية المعاملات المالية الضخمة وإضفاء صبغة شرعية زائفة على حركة الأموال، وهو ما يقع في صلب مخالفات القانون الضريبي، بحسب التقرير.
التفاصيل الميدانية والحصيلة العملياتية
نفذت قوات الأمن التركية عمليات مداهمة واسعة شملت ١٧ ولاية تركية، تركزت بشكل أساسي في أنقرة وإسطنبول وأنطاليا، لضمان ملاحقة الأطراف الفاعلة في مراكز ثقلها الاقتصادي والإداري.
شملت القرارات القضائية إصدار أوامر اعتقال بحق ٤٩ شخصاً من المرتبطين بالقضية، وتفتيش ومصادرة محتويات في ٤٣ عنواناً سكنياً يخص المشتبه بهم، واستهداف البنية الاقتصادية من خلال مداهمة ٨٠ موقعاً تابعاً لـ ٣٣ شركة متورطة في السجلات المالية المشبوهة.
وقررت السلطات التحفظ على ٣٠ شخصاً، بمن فيهم “أليهان كوريش”، بينما لا تزال الجهود مستمرة لتعقب ١٠ آخرين داخل البلاد، مع الإشارة إلى وجود ٣ متهمين خارج الحدود التركية.
ما هي الدوافع الحقيقية؟
تتداخل في المشهد التركي الراهن أبعاد قانونية وسياسية معقدة على خلفية التحرك الأمني الواسع ضد مجموعة ” (Süleymancılar)، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه العملية بوصفها مجرد إجراء جنائي بحت، بل أصبحت في قلب نقاش سياسي يربط بين الملاحقات المالية والولاءات الحزبية. وبينما تستند الرواية الرسمية إلى تقارير مالية فنية، تبرز قراءات بديلة ترى في المشهد محاولة لإخضاع الكيانات المستقلة لرؤية السلطة السياسية.
السياق السياسي: صراع الولاء والاستقلالية
بعيداً عن الأرقام والتقارير الفنية، يطرح الواقع السياسي التركي بُعداً آخر لاستهداف جماعة “السليمانيين”؛ إذ يرى مراقبون أن الجماعة التي يتمثل أساس عملها في تعليم القرآن بعيدا عن أي نشاط سياسي، كانت منذ فترة طويلة في مرمى استهداف حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان. ورغم كونها جماعة إسلامية، إلا أنها حاولت الحفاظ على مسافة من التجاذبات الحزبية ورفضت تقديم دعم علني ومباشر لحزب العدالة والتنمية، وهو ما جعل استقلاليتها مصدر قلق للسلطة التي تسعى لتوحيد الصف الإسلامي خلف مظلتها السياسية.
وفي هذا السياق، تبرز تحليلات تشير إلى أن هذه العملية قد تكون “مفتعلة” أو مُصممة بدوافع سياسية، بهدف ممارسة ضغوط مالية خانقة على المجموعة لإجبارها على الانضواء تحت عباءة التوجهات الحكومية. إن استهداف المفاصل الاقتصادية للمجموعة يُنظر إليه كأداة فعالة لتحجيم نفوذها الاجتماعي وتحويلها من كيان مستقل إلى طرف موالٍ.
مقاربات تاريخية: استعادة سيناريو “حركة كولن”
تستحضر التطورات الأخيرة للأذهان المسار الذي سلكته الحكومة مع “حركة كولن” منذ عام ٢٠١٣. فالمتابع للمشهد يجد تشابهاً في الأسلوب؛ حيث بدأت الملاحقات آنذاك بعمليات أمنية وتهم مالية مشابهة، انتهت بتصنيف الحركة كتنظيم إرهابي حتى قبل وقوع محاولة الانقلاب الغامضة في ٢٠١٦. وتؤكد وجهة النظر هذه أن السلطة السياسية تميل إلى استخدام الأدوات القانونية والأمنية للانتقام من الكيانات التي ترفض “البيعة” أو التبعية الكاملة، خاصة تلك التي تمتلك نفوذاً واسعاً في الداخل والخارج وتصر على التحرك ضمن الأطر القانونية المستقلة.
إن المشهد الحالي يضع مجموعة “سليمانجيلار” أمام اختبار حاسم؛ فإما مواجهة التبعات القانونية والمالية المعقدة التي رسمتها تقارير “ماساك”، أو الرضوخ للضغوط السياسية التي تهدف إلى إعادة صياغة تموضع الجماعة داخل الخارطة الاجتماعية والسياسية لتركيا.

