في تحول لافت في السياسة التركية تجاه ليبيا، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأربعاء، قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر في بنغازي، خلال أول زيارة رسمية له إلى المدينة.
ويكتسب اللقاء أهمية خاصة بالنظر إلى أن حفتر كان قبل سنوات خصماً عسكرياً مباشراً لأنقرة، بينما كانت تركيا تدعم حكومة طرابلس خلال الحرب التي اندلعت حول العاصمة. أما اليوم، فتسعى أنقرة إلى بناء قنوات سياسية وأمنية مع المعسكر الشرقي، من دون التخلي عن علاقاتها ومصالحها في غرب ليبيا.
ونشرت وزارة الخارجية التركية صوراً للقاء فيدان وحفتر، لكنها لم تكشف تفاصيل المحادثات أو الملفات التي ناقشها الطرفان.
كما التقى فيدان نجل حفتر، صدام حفتر، نائب قائد قوات شرق ليبيا، الذي كان في استقباله لدى وصوله إلى بنغازي.
من دعم طرابلس إلى التواصل مع حفتر
يعكس اللقاء تحولاً واضحاً في الحسابات التركية. ففي عام 2020، تدخلت أنقرة عسكرياً إلى جانب حكومة طرابلس، عبر إرسال قوات وطائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي، وساعدت في وقف الهجوم الذي شنته قوات حفتر على العاصمة.
وفي المقابل، حظي حفتر آنذاك بدعم من روسيا ومصر والإمارات.
لكن المعادلة الليبية تغيرت تدريجياً. فمع استمرار الانقسام بين غرب البلاد وشرقها، بدأت تركيا في فتح قنوات مع معسكر حفتر، في محاولة للانتقال من سياسة الاصطفاف مع طرف واحد إلى التعامل مع مراكز القوة المختلفة في ليبيا.
ويأتي لقاء فيدان تتويجاً لمسار لم يبدأ اليوم؛ فقد عقد رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في يونيو/حزيران الماضي محادثات مع صدام حفتر في بنغازي، تناولت الحفاظ على السلام ومحاولات توحيد المؤسسات والإدارات والقوات العسكرية في شرق ليبيا وغربها تحت سلطة واحدة.
كما استقبلت أنقرة صدام حفتر في يوليو/تموز، في مؤشر إضافي على اتساع قنوات الاتصال بين الطرفين.
سياسة «ليبيا واحدة»
تقدم أنقرة انفتاحها على شرق ليبيا ضمن سياسة تصفها بـ«ليبيا واحدة»، أي التعامل مع مختلف الأطراف الليبية بهدف دعم وحدة البلاد بدلاً من تكريس الانقسام.
لكن وراء هذا الخطاب السياسي توجد أيضاً حسابات استراتيجية واقتصادية واضحة.
فتركيا تريد الحفاظ على نفوذها في غرب ليبيا، وفي الوقت نفسه ضمان عدم تحول شرق البلاد إلى منطقة معادية لمصالحها. ولذلك يبدو أن التواصل مع حفتر يهدف إلى بناء علاقة يمكن أن تستمر بصرف النظر عن شكل التسوية السياسية النهائية في ليبيا.
وهذا التحول يعكس، إلى حد كبير، انتقال أنقرة من سياسة المواجهة بالوكالة إلى سياسة إدارة التوازنات.
الاتفاق البحري في قلب الحسابات التركية
يُعد ملف الحدود البحرية في البحر المتوسط أحد أهم الدوافع وراء الانفتاح التركي على معسكر حفتر.
ففي عام 2019 وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة تفاهم لترسيم مناطق الاختصاص البحري في المتوسط، وهي اتفاقية مسجلة لدى الأمم المتحدة.
وتريد أنقرة ضمان استمرار الاتفاق وعدم تحوله إلى ورقة يمكن للمعسكر الشرقي استخدامها ضد مصالحها.
ولهذا فإن كسب قبول شرق ليبيا بالترتيبات البحرية القائمة قد يمنح تركيا هامشاً أكبر للتحرك في شرق المتوسط، خصوصاً في ملفات الطاقة والتنقيب والممرات البحرية.
وقد أصبح هذا الملف أكثر أهمية مع تحول العلاقة بين تركيا وشرق ليبيا من مجرد اتصال سياسي إلى تعاون أمني وعسكري متزايد.
التعاون العسكري يتوسع تدريجياً
لم يعد التواصل التركي مع معسكر حفتر سياسياً فقط.
ففي أغسطس/آب 2025، أجرت وفود عسكرية تركية وليبية محادثات في بنغازي خلال زيارة الفرقاطة التركية TCG Kınalıada إلى الميناء، وناقشت التعاون تحت شعار «ليبيا واحدة، جيش واحد».
كما تشير التطورات الأخيرة إلى توسع التعاون العسكري والتقني مع قوات شرق ليبيا، وهو ما يعكس رغبة أنقرة في بناء علاقة مؤسساتية مع القوة العسكرية الأكثر نفوذاً في شرق البلاد.
لكن هذا التقارب لا يعني حتى الآن قيام تحالف دفاعي كامل بين الطرفين؛ فالتعاون ما زال محكوماً بحسابات إقليمية دقيقة، خصوصاً في ظل حساسية مصر وروسيا والإمارات تجاه أي تغيير كبير في ميزان القوى شرق ليبيا.
طرابلس وبنغازي.. أنقرة تتحدث مع الطرفين
قبل توجهه إلى بنغازي، أجرى فيدان في طرابلس محادثات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.
وبذلك حملت زيارة وزير الخارجية التركي رسالة واضحة: أنقرة لا تريد اختيار طرابلس على حساب بنغازي، ولا بنغازي على حساب طرابلس، بل تريد الاحتفاظ بعلاقات مع الطرفين في انتظار شكل التسوية الليبية المقبلة.
وتكتسب هذه السياسة أهمية أكبر في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي بين غرب ليبيا وشرقها.
التحول التركي يأتي وسط هشاشة أمنية مستمرة
لا تزال ليبيا بعيدة عن الاستقرار الكامل، رغم انخفاض مستوى الحرب الشاملة مقارنة بسنوات الصراع السابقة.
وفي اليوم نفسه الذي زار فيه فيدان بنغازي، تعرضت محطة كهرباء في الزاوية غرب ليبيا لهجوم بطائرة مسيرة أدى إلى اندلاع حريق وانقطاع واسع للكهرباء، في تطور يعكس استمرار هشاشة الوضع الأمني في مناطق غرب البلاد.
وهذا الواقع يجعل سياسة التواصل التركي مع جميع مراكز القوى أكثر قابلية للفهم من منظور أنقرة: فالرهان على طرف واحد قد يصبح مكلفاً إذا تغير ميزان القوى أو انهارت الترتيبات السياسية القائمة.
مصر وشرق المتوسط.. البعد الإقليمي
يحمل التقارب التركي ـ الحفتري أيضاً بعداً إقليمياً يتجاوز ليبيا.
فمصر تنظر إلى شرق ليبيا باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها القومي، بينما ترتبط ليبيا بملفات الطاقة والهجرة وأمن المتوسط.
ومن ثم، فإن دخول تركيا بقوة أكبر إلى شرق ليبيا يفرض على أنقرة مراعاة العلاقة التي شهدت تحسناً تدريجياً مع القاهرة، خصوصاً أن أي انتشار عسكري تركي دائم بالقرب من الحدود المصرية قد يرفع مستوى الحساسية الإقليمية. ويرى محللون أن التعاون الحالي لا يزال بعيداً عن التحول إلى تحالف عسكري كامل.
ماذا تريد تركيا من حفتر؟
يمكن قراءة الانفتاح التركي على حفتر من خلال ثلاثة أهداف مترابطة: تأمين النفوذ الاقتصادي، حماية المصالح البحرية، ومنع تحول شرق ليبيا إلى منصة نفوذ لقوى منافسة.
كما أن التواصل مع حفتر يمنح أنقرة قدرة أكبر على التأثير في أي عملية سياسية مستقبلية تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية.
وفي المقابل، يستطيع معسكر حفتر الاستفادة من الانفتاح التركي لتنويع علاقاته الخارجية وعدم الارتهان فقط إلى موسكو والقاهرة وأبوظبي.
وهنا تظهر طبيعة العلاقة الجديدة: ليست تحالفاً كاملاً، ولا مصالحة سياسية نهائية، وإنما تبادل مصالح بين طرفين كانا حتى وقت قريب في معسكرين متصارعين.
من الحرب إلى إدارة التوازن
يمثل لقاء فيدان وحفتر تحولاً رمزياً واستراتيجياً في السياسة التركية تجاه ليبيا. فالرجل الذي كانت قواته هدفاً للتدخل العسكري التركي أصبح اليوم شريكاً في الحوار السياسي والأمني.
لكن الأهم من اللقاء نفسه هو المسار الذي يقف خلفه: تركيا تحاول الانتقال من النفوذ في غرب ليبيا إلى نفوذ يمتد عبر البلاد كلها، مع الإبقاء على حضورها العسكري والسياسي في طرابلس وفتح قنوات متقدمة مع بنغازي.
وإذا نجحت أنقرة في تثبيت هذه المعادلة، فقد تتحول ليبيا من ساحة مواجهة تركية ـ حفترية إلى ساحة توازن ومصالح مشتركة، يكون فيها النفوذ التركي أقل ارتباطاً بطرف واحد وأكثر ارتباطاً بمستقبل الدولة الليبية ككل.
غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطاً بقدرة أنقرة على التوفيق بين مصالحها في طرابلس، وطموحات حفتر في الشرق، وحسابات مصر وروسيا والإمارات، فضلاً عن مستقبل الاتفاق البحري لعام 2019.

