برزت على السطح مؤخراً أزمة إنسانية وقانونية جديدة تتعلق بالحرب في أوكرانيا، حيث وجهت منظمة “هيومن رايتس ووتش” نداءً عاجلاً إلى الكونغرس الأمريكي لعرقلة صفقة عسكرية ضخمة تقدر قيمتها بـ 256 مليون دولار، تهدف تركيا من خلالها إلى نقل ترسانة قديمة من الذخائر العنقودية وأنظمة الصواريخ “أمريكية الأصل” إلى الجانب الأوكراني. وتستند هذه التحذيرات إلى الطبيعة الفتاكة لهذه الأسلحة التي تعود إلى عقود مضت، وما تشكله من تهديد عشوائي ومستدام للأرواح.
تفاصيل الترسانة المقترح نقلها: ملايين القنابل الكامنة
تسعى أنقرة للحصول على تفويض أمريكي لعملية “إعادة نقل” تشمل مخزونات هائلة تراكمت لديها منذ عقود، وتضم الحزمة المقترحة كامل مخزون تركيا من راجمات الصواريخ متعددة الفوهات من طراز (M270 MLRS) البالغ عددها اثنتي عشرة منصة إطلاق. وتتضمن هذه الصفقة ثلاثة أنواع رئيسية من الذخائر التي تحتوي في مجملها على ما يتجاوز عشرة ملايين وحدة من القنابل الصغيرة المتفجرة.
وتفصيلاً، تشتمل الشحنة على سبعين صاروخاً باليستياً من طراز (ATACMS M39)، يحمل كل واحد منها 950 قنبلة فرعية مضادة للأفراد والمعدات. كما تضم الصفقة 2,524 صاروخاً من طراز (M26)، يحتوي كل منها على 644 قنبلة ثنائية الغرض، بالإضافة إلى 47 ألف قذيفة مدفعية عيار 203 ملم، تحمل كل قذيفة منها 180 قنبلة فرعية. وتكمن الخطورة الفنية في أن هذه القذائف المدفعية، التي تمثل الثقل الأكبر للصفقة، قد أخرجت من الخدمة في الجيش الأمريكي منذ عام 1994 تزامناً مع تقاعد المدافع التي تطلقها، مما يجعلها أسلحة “متقادمة” تقنياً.
الموقف الأمريكي والدوافع السياسية خلف الصفقة
أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس في مطلع أغسطس الجاري باستعداد الإدارة للموافقة على هذا النقل. ووفقاً للإخطار الرسمي، فإن الدافع التركي يتلخص في الرغبة في تقليص مخزونات الأسلحة القديمة لتوجيه الموارد المالية نحو “تحديث واستدامة” الأنظمة الحالية. من جانبها، تطمح أوكرانيا للحصول على هذه الأنظمة لتعزيز قدراتها في الإسناد الناري الدفاعي والهجومي لمواجهة العمليات العسكرية الروسية، خاصة وأنها تمتلك بالفعل ذخائر من أنواع مماثلة.
وعلى الرغم من القيود التي يفرضها قانون الإنفاق الدفاعي الأمريكي السنوي على تصدير الذخائر العنقودية منذ عام 2009، إلا أن الإدارة الأمريكية تمتلك صلاحيات قانونية لتجاوزها. وقد استخدم الرئيس جو بايدن مسبقاً قانون المساعدات الخارجية لتجاوز هذه القيود في سبع مناسبات على الأقل بين يوليو 2023 وأكتوبر 2024، مبرراً ذلك بأن هذه المساعدات “حيوية لمصالح الأمن القومي الأمريكي”.
المخاطر الإنسانية والإرث القانوني الدولي
تعتبر الذخائر العنقودية أسلحة “عشوائية بطبيعتها”؛ كونها تنشر أعداداً كبيرة من القنابل الصغيرة على مساحات شاسعة، مما يجعل التصويب الدقيق مستحيلاً. وتتمثل المعضلة الكبرى في “نسبة الفشل” العالية، حيث لا تنفجر العديد من هذه القنابل عند الارتطام، فتتحول عملياً إلى ألغام أرضية تهدد المدنيين لسنوات طويلة بعد توقف المدافع.
وقد وصفت “هيومن رايتس ووتش” هذه الخطوة بأنها “تصدير للمسؤولية الإنسانية”، حيث حذرت نيكول ويدرشيم، نائبة مدير المنظمة في واشنطن، من أن إغراق مناطق النزاع بذخائر غير دقيقة وغير موثوقة تجاوز عمرها ثلاثين عاماً سيخلق كارثة متوقعة للمدنيين. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008، التي تحظر استخدام وإنتاج ونقل هذه الأسلحة، تضم أكثر من مئة دولة، إلا أن أطراف النزاع والوسطاء الحاليين (تركيا، الولايات المتحدة، أوكرانيا، وروسيا) ليسوا أعضاءً فيها.
دلالات
تظهر هذه الصفقة تحولاً في استراتيجية استنزاف المخزونات، حيث يبدو أن الدول الداعمة لأوكرانيا بدأت تلجأ إلى “الحلول الصعبة” من خلال تنظيف مخازنها من الأسلحة المتقادمة لسد الفجوة في الاحتياجات الأوكرانية المتزايدة للقوة النارية. ومن الناحية الاستراتيجية، تعكس هذه الخطوة رغبة تركيا في التخلص من أعباء الصيانة والتبعات اللوجستية لأنظمة تعود لحقبة الحرب الباردة، مقابل مكاسب تتعلق بتحديث جيشها.
إلا أن الجانب الأخلاقي يظل الحلقة الأضعف؛ فاستخدام أسلحة “غير دقيقة” في مناطق مأهولة أو زراعية في أوكرانيا سيعني حتماً أن فاتورة إعادة الإعمار وإزالة الألغام ستتضاعف، وأن الأجيال القادمة من الأوكرانيين ستظل تدفع ثمن هذه المساعدات العسكرية العاجلة. ويبقى التساؤل قائماً حول موقف الإدارة الأمريكية القادمة، حيث لم يتضح بعد ما إذا كانت إدارة ترامب قد اتخذت قراراً مماثلاً بشأن هذا النقل التركي المقترح.

