يرى المحلل السياسي التركي جوهري جوفين أن تركيا تشهد حالياً حالة من “الإفصاحات الموقوتة” التي تستهدف إعادة صياغة تاريخ حزب العدالة والتنمية، كاشفا عن صراع مرير ومكتوم دارت رحاه خلف الكواليس بين رفقاء الدرب، وتحديداً بين عبد الله غول ورجب طيب أردوغان.
وتأتي هذه القراءات بناءً على ما كشفه “أيدين أونال”، كاتب خطابات أردوغان السابق، والذي أزاح الستار عن طعنات سياسية تلقاها غول من الدائرة الضيقة لأردوغان منذ البدايات الأولى.
بذور الشقاق
وفقاً لتحليل جوفين عبر موقع يوتيوب، فإن محاولات إقصاء عبد الله غول بدأت قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية، وتحديداً في مؤتمر حزب الفضيلة عام 1999 والذي انشق عن حزب الرفاه الإسلامي بقيادة الراحل نجم الدين أربكان. فبينما كان غول يمثل تيار “التجديديين” في مواجهة رئيس الحزب حينها رجائي قطان، أصدر أردوغان تعليمات سرية لمندوبي إسطنبول وبورصة الموالين له بعدم التصويت لغول. ويشير جوفين إلى أن هذا الموقف كان يهدف إلى منع غول من السيطرة على قيادة التيار التجديدي مبكراً، مما أدى لخسارته أمام قطان، وهي الحادثة التي يصفها جوفين بأنها أول “طعنة في الظهر” لغول من قِبل أردوغان.
اختبار الكرسي: رئاسة الوزراء والتنازل الطوعي
ينتقل جوفين إلى مرحلة وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة، حيث تولى عبد الله غول رئاسة الوزراء نظراً للحظر السياسي الذي كان مفروضاً على أردوغان حينها. ويوضح المحلل أن أردوغان كان يعيش هاجساً يتمثل في أن غول قد “يستحلي” الكرسي ويرفض مغادرته بمجرد زوال الحظر. إلا أن غول أثبت عكس ذلك تماماً؛ فبمجرد أداء أردوغان اليمين الدستورية كنائب عن ولاية سعرت، سارع غول إلى قصر تشانكايا لتقديم استقالته فوراً ودون تأخير، مفسحاً الطريق لرفيقه أردوغان، وهو موقف يراه جوفين دليلاً على وفاء غول الذي لم يُقابَل بمثله لاحقاً.
الرئاسة المليئة بالألغام والمناورات الدستورية
شهدت مساعي غول للوصول إلى رئاسة الجمهورية في 2007 معارضة مستترة من أردوغان، الذي استخدم ملف “الحجاب” ذريعةً لمحاولة ثنيه عن الترشح، مدعياً أن وجود رئيس وزراء ورئيس برلمان ورئيس جمهورية محجبات الزوجات سيثير توتراً مع المؤسسة العسكرية. ويؤكد جوفين أن أردوغان دفع بأسماء بديلة مثل “وجدي غونول” لهذا المنصب.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يحلل جوفين مناورة دستورية “خبيثة” قام بها أردوغان؛ فبينما كان غول يُنتخب لولاية مدتها سبع سنوات، أدخل أردوغان مادة في حزمة الاستفتاء الدستوري تخفض مدة الرئاسة إلى خمس سنوات وتمنع الرئيس الحالي من الترشح لولاية ثانية من قِبل الشعب. ووفقاً لجوفين، فقد أبدى غول انزعاجاً شديداً وأرسل وسطاء لأردوغان للاستفسار عن دوافع هذا الاستهداف الشخصي، لكن أردوغان أصر على تمرير المادة، ولم يُنقذ غول سوى قرار المحكمة الدستورية التي ألغت هذا التعديل لاحقاً.
العزل البيروقراطي وحملات الشيطنة الإعلامية
يكشف جوفين عن سياسة “تجفيف المنبع” التي اتبعها أردوغان ضد غول أثناء رئاسته؛ حيث أصدر تعليمات صارمة للبيروقراطيين الموالين له بعدم تزويد رئاسة الجمهورية بأي معلومات أو تقارير، مما جعل غول معزولاً معلوماتياً داخل قصره. وبالتوازي مع ذلك، بدأت الآلة الإعلامية الموالية لأردوغان بشن حملات شعواء تتهم غول بأنه “عميل بريطاني”، ووصل الأمر إلى إشاعة أنباء عن احتمالية اعتقال نجل غول لتشويه سمعته والضغط عليه.
مؤامرة المؤتمر: غلق أبواب العودة
في عام 2014، ومع اقتراب نهاية ولاية غول الرئاسية، أعرب صراحةً عن نيته العودة إلى صفوف حزبه (العدالة والتنمية) لتولي القيادة ورئاسة الوزراء خلفاً لأردوغان الذي انتقل للرئاسة. وهنا، يصف جوفين “المناورة القاضية” لأردوغان، حيث قام بتقديم موعد مؤتمر الحزب العام ليُعقد قبل يوم واحد فقط من تسليم غول لمهامه الرئاسية، مما قطع الطريق قانونياً وزمنياً على غول للترشح لرئاسة الحزب، وتم تنصيب أحمد داود أوغلو، “هزيل الأداء”، لضمان عدم عودة غول.
العلاقة بين غول وأرول أولجاق
كما يتناول اجوفين قضية اغتيال أرول أولجاق، مهندس الحملات الانتخابية لأردوغان، خلال صخب أحداث محاولة الانقلاب الغامضة في 15 تموز 2016، واصفاً إياها بواحدة من أكثر النقاط غموضاً وإثارة للتساؤلات في التاريخ السياسي التركي الحديث.
عقل البروباغندا والتحالف السري مع غول
يشير جوفين إلى أن أرول أولجاق لم يكن مجرد مستشار عادي، بل كان العقل المدبر لكل حملات أردوغان الدعائية منذ بداياته. إلا أن المفاجأة التي كشف عنها جوفين، استناداً إلى الصور التي نشرها، هي أن أولجاق كان يعقد لقاءات دورية وسرية مع عبد الله غول في “قصر هوبر” قبل أحداث 2016. ووفقاً لتحليل جوفين، كان أولجاق يخطط لإدارة عملية عودة غول إلى حزب العدالة والتنمية وتولي القيادة مجدداً، وهو السيناريو الذي كان يمثل الهاجس الأكبر والكابوس السياسي لأردوغان.
ليلة الجسر: الاستهداف الممنهج بنيران القناصة
يروي جوفين تفاصيل ليلة 15 تموز 2016، موضحاً أن أولجاق وُجّه عمدا إلى جسر البوسفور في خضم فوضى الانقلاب الذي وصفه بالمدبر. وهناك، وسط الحشود الكبيرة، تم استهداف أولجاق وابنه بشكل دقيق للغاية عبر “نيران قناصة”، مما أدى لمقتلهما فوراً. ويرى جوفين أن طريقة القتل تشير إلى عملية تصفية “منتقاة” وليست مجرد رصاص عشوائي في زحام الفوضى، خاصة وأن أولجاق كان الشخص الوحيد القادر على تمهيد الطريق لعودة غول شعبياً وسياسياً.
مفارقة النجاة: قصة بن علي يلدريم
يعقد جوفين مقارنة لافتة بين مصير أولجاق وما حدث مع بن علي يلدريم في تلك الليلة؛ حيث يكشف أن يلدريم كان في طريقه أيضاً إلى جسر البوسفور بناءً على توجيهات معينة. إلا أن مدير أمن يلدريم، وبعد تواصل هاتفي مع مأمور أحد مراكز الشرطة الذي حذره بشدة من الذهاب إلى هناك، قرر الالتفاف والعودة قبل كيلومترات قليلة من الجسر. ويستنتج جوفين من هذه الواقعة أن هناك من كان يدفع به نحو “المحرقة” على الجسر، وأن نجاة يلدريم كانت بفضل فطنة حراسه، بينما لم يُتح ذلك لأولجاق.
التحليل السياسي والدوافع الخفية
يخلص جوفين إلى أن أردوغان كان يحمل “عقدة” وتوجساً مستمراً تجاه عبد الله غول، وكان يرى فيه المنافس الوحيد الذي يمتلك ثقلاً حقيقياً داخل قاعدة الحزب. وبما أن أرول أولجاق كان يمتلك “مفاتيح” البروباغندا والقدرة على إعادة تلميع صورة غول سياسياً، فإن غيابه عن المشهد بتلك الطريقة الدرامية أنهى عملياً أي فرصة منظمة لعودة غول إلى السلطة. ويضع جوفين هذا الاغتيال في سياق “التخلص من الشهود” أو الشركاء الذين بدأوا يميلون لتيار المعارضة الداخلية، مما سمح لأردوغان بالانفراد التام بالقرار دون وجود عقل دعائي بوزن أولجاق يدعم خصومه.
خريف العلاقة: مروحية “أكار” وطموحات 2018
وصل الشرخ بين الرجلين إلى ذروته في عام 2018، عندما برز اسم عبد الله غول كمرشح توافقي محتمل للمعارضة. ويروي جوفين الحادثة الشهيرة التي هبطت فيها مروحية عسكرية تقل خلوصي أكار وإبراهيم كالين في حديقة منزل غول، وهي الحادثة التي اعتُبرت بمثابة “مذكرة تهديد” مباشرة، أعلن بعدها غول تراجعه عن الترشح لعدم وجود “توافق كافٍ” في صفوف المعارضة على ترشيحه.
توقيت الإفصاحات
يرى جوهري جوفين أن نبش هذه الملفات الآن من قِبل مقربين من أردوغان ليس مجرد استحضار للتاريخ، بل هو تكتيك سياسي يهدف إلى إرسال رسائل للداخل التركي، وخاصة للمعارضة الحالية مفادها أن البقاء والسيادة في السياسة التركية يتطلبان “الفتك” بالشركاء قبل أن يفتكوا بك. ويرجح جوفين أن هذا الاستحضار التاريخي يستهدف الإيقاع بين أوزغور أوزيل ورئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو، وإرشاد أوزيل إلى الطريق الكفيل بإزالة عثرة الطريق (إمام أوغلو) أمام تفرده بقيادة الحزب الجديد والوصول إلى السلطة، على غرار ما فعله أردوغان برفيقه غول!
ويحلل جوفين أن أردوغان نجح في تحويل البرلمان والحزب من كيان يضم شخصيات بوزن غول وداود أوغلو وبولنت أرينج وعلي باباجان إلى مجموعة من “الموالين الصرفين” الذين لا يملكون تاريخاً نضالياً داخل التيار، مما مكنه من صب “الإسمنت السياسي” فوق مستقبل غول وتياره.
في الختام، يخلص جوفين إلى أن عبد الله غول، رغم كونه شريكاً مؤسساً، قد تم إقصاؤه بشكل منهجي ومدروس عبر سنوات، بدأت بتجاهل الأصوات في صناديق الاقتراع الحزبية وانتهت بحصار منزله بالمروحيات، في رحلة تلخص سيكولوجية السلطة والسيطرة داخل تيار الإسلام السياسي في تركيا.
وحيدا فوق قمة هرم السلطة
يذكر أنه في المرحلة التي كان أردوغان فيها محاطاً برفقاء دربه الأوائل، شهدت تركيا نهضة وتطوراً ملموساً على كافة الأصعدة في العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية. إلا أن أردوغان بدأ بالتخلي عن هؤلاء الرفاق واحداً تلو الآخر؛ ومع كل رفيق كان يغادر السفينة، كانت تركيا تفقد جزءاً من وحدتها وتماسكها الوطني ونهضتها.
يقف أردوغان اليوم وحيداً في قمة السلطة، معزولاً عن رفقاء التأسيس الذين استمد منهم قوته للوصول إلى الحكم، وهو ما أدى إلى تراجع تركي حاد في كافة المجالات، بدءاً من الديمقراطية وسيادة القانون والاقتصاد والعلاقات الدولية. وبعد أن وجه أردوغان طعناته لرفاق الأمس الذين مهدوا له طريق القمة، يبقى التساؤل الجوهري الذي يلح نفسه: هل سيتمكن أردوغان من الصمود وحيداً فوق قمة هذا الهرم السياسي أمام الرياح العاتية التي تعصف به من كل جانب؟ الأيام القادمة وحدها هي الكفيلة بالإجابة عن ذلك.

