دخل حزب الشعب الجمهوري (CHP)، أكبر أحزاب المعارضة التركية، مرحلة جديدة من الاضطراب الداخلي، بعدما أعلن أكثر من 700 عضو ومسؤول ومنتخب محلي استقالتهم من الحزب، عقب إعلان رئيسه المعزول أوزغور أوزيل عزمه تأسيس حزب سياسي جديد، في خطوة تعكس تعمق الانقسام داخل أعرق أحزاب المعارضة في البلاد.
وامتدت موجة الاستقالات إلى ما لا يقل عن عشر ولايات تركية، إضافة إلى التنظيم الحزبي في هولندا، في تطور يهدد بإعادة رسم موازين القوى داخل المعارضة التركية قبيل أي استحقاقات انتخابية مقبلة.
وتستند الحصيلة المعلنة إلى بيانات وتصريحات رسمية صادرة عن المستقيلين أنفسهم، وليس إلى السجل الرسمي لعضوية الأحزاب لدى الدولة التركية، الأمر الذي يعني أن العدد قد يشهد ارتفاعاً أو انخفاضاً مع استمرار عملية التحقق.
الشرارة بدأت بحكم قضائي أعاد كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب
تعود جذور الأزمة الحالية إلى القرار القضائي الصادر في 21 مايو/أيار، والذي قضى بإلغاء نتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي عُقد عام 2023، مع إبطال انتخاب أوزغور أوزيل رئيساً للحزب، وإعادة الزعيم السابق كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب.
وأثار الحكم منذ صدوره موجة واسعة من الانتقادات داخل أوساط المعارضة، التي اعتبرت القرار تدخلاً سياسياً في الشؤون الداخلية للحزب، بينما ترى السلطات وأنصار كليتشدار أوغلو أن الحكم جاء في إطار تطبيق القانون على مخالفات شابت المؤتمر.
وكان أوزيل قد نجح خلال فترة رئاسته في قيادة الحزب إلى تحقيق أفضل نتائجه منذ سنوات، بعدما تصدر نتائج الانتخابات المحلية لعام 2024 على مستوى تركيا، قبل أن تنتهي ولايته بقرار القضاء. في المقابل، عاد كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب رغم خسارته الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2023.
استقالات جماعية في الولايات والبلديات
أخذت الأزمة بعداً تنظيمياً واسعاً مع توالي بيانات الاستقالة من مختلف الولايات التركية.
ففي ديار بكر أعلن مسؤولون محليون استقالة 685 عضواً دفعة واحدة، بينهم أعضاء مجلس الإدارة الإقليمي السابق ومسؤولون في أربعة فروع حزبية، لتشكل هذه الولاية النسبة الأكبر من إجمالي الاستقالات المعلنة حتى الآن.
أما في أيدين، فأعلن رئيس الحزب السابق في الولاية حكمت ساعتجي وأعضاء إدارته السابقة انسحابهم من الحزب، في حين تحدث عن استقالة ما يقارب عشرة آلاف عضو، إلا أن هذا الرقم لم تؤكده حتى الآن سجلات العضوية الرسمية التابعة للدولة.
كما ظهرت مزاعم أخرى تحدثت عن استقالة 387 ألف عضو أو أكثر من الحزب على مستوى البلاد، لكنها بقيت أيضاً دون أي تأكيد رسمي حتى مساء الخميس.
انقسام يمتد إلى البلديات
لم تقتصر الأزمة على العضوية الحزبية، بل امتدت إلى رؤساء البلديات والمجالس المحلية.
فقد أعلن رئيس بلدية أودونبازاري في ولاية إسكي شهير كاظم كورت استقالته، يرافقه 22 عضواً من أصل 23 في المجلس البلدي التابع للحزب.
وفي ولاية قارص، استقال رئيس بلدية سوسوز أوغوز يانتمور مع ستة من أعضاء المجلس البلدي.
كما أعلن رئيس بلدية إسبييه في ولاية غيرسون إيرول كاراديره انسحابه من الحزب، بينما غادر أيضاً رئيس بلدية إسكي شهير الأسبق يلماز بيوك أرشن صفوف الحزب.
أما رئيس بلدية جناق قلعة محرم إركك فأعلن أنه سينضم إلى الحزب الجديد الذي يؤسسه أوزيل، لكنه لم يعلن رسمياً استقالته من حزب الشعب الجمهوري حتى الآن.
موجة استقالات بدأت قبل إعلان الحزب الجديد
تشير التطورات إلى أن الانقسام لم يبدأ مع إعلان الحزب الجديد، بل سبق ذلك بعدة أسابيع.
فقد أعلن رئيس بلدية إزمير جميل توغاي استقالته في الثامن عشر من يونيو/حزيران، ثم تبعه نائبه وثلاثة أعضاء في المجلس البلدي ورئيس فرع الشباب في الولاية.
كما استقال رئيس بلدية كيشان في أدرنة محمد أوزجان في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران، فيما أعلن رئيس بلدية شيليه بالإنابة في إسطنبول ساجيت ترزي انسحابه في العشرين من يوليو/تموز.
الفروع المحلية تتفكك
امتدت الأزمة إلى الهياكل التنظيمية للحزب في عدد من الولايات.
ففي إزمير، استقال 19 عضواً من أصل 21 في مجلس إدارة فرع نارليديره، إضافة إلى إدارات فرعي النساء والشباب.
وفي منطقة بورنوفا، أعلن 23 عضواً أساسياً وأربعة أعضاء احتياطيين استقالتهم من مناصبهم التنظيمية، رغم أن التقارير لم تؤكد أن جميعهم أنهوا عضويتهم الحزبية بالكامل.
أما تنظيم الحزب في منمن فأعلن انسحاباً جماعياً دون تحديد عدد المستقيلين.
كما سُجلت استقالات إضافية في فروع مندريس وكرمان وأيرانجي.
وفي ولاية عثمانية، استقال مجلس إدارة الفرع المركزي السابق بالكامل، كما أعلن مسؤولان محليان سابقان في أدرنة مغادرتهما الحزب.
امتداد الانقسام إلى الخارج
لم يقتصر الانشقاق على الداخل التركي، بل وصل إلى التنظيمات الخارجية.
فقد أعلن رئيس اتحاد حزب الشعب الجمهوري في هولندا مراد هان غدكلي وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد استقالتهم من الحزب.
وأكد الاتحاد أنه سيواصل نشاطه القانوني كجمعية مسجلة وفق القوانين الهولندية، لكنه سيعمل سياسياً إلى جانب الحركة التي يقودها أوزغور أوزيل ورئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو.
البرلمان يشهد أول استقالة مؤكدة
على الصعيد البرلماني، كانت استقالة نائب إزمير والرئيس السابق للمجموعة البرلمانية للحزب مراد باكان هي الوحيدة التي تأكدت رسمياً حتى الآن.
وبعد مغادرته، انخفض عدد مقاعد حزب الشعب الجمهوري في البرلمان التركي إلى 134 مقعداً وفق الموقع الرسمي للمجلس.
وتتحدث تقارير إعلامية عن احتمال انضمام ما بين 80 و95 نائباً إلى الحزب الجديد، إلا أن هذه التقديرات لم تتحول حتى الآن إلى استقالات رسمية.
وأكد نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب مراد أمير أن العمل على تأسيس الحزب الجديد مستمر، لكنه نفى وجود موعد نهائي أو أرقام نهائية بشأن النواب الذين سينضمون إليه.
وكانت النائبتان نعمت أوزدمير وأوميت ديكباير قد غادرتا الحزب خلال أزمة القيادة في يونيو/حزيران، أي قبل إعلان أوزيل تأسيس الحزب الجديد، قبل أن تنضم أوزدمير لاحقاً إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم.
شخصيات معروفة تغادر الحزب
شملت موجة الانسحابات عدداً من الأسماء المعروفة في الحياة الثقافية والسياسية التركية، ومن أبرز المستقيلين الفنانة الشعبية والنائبة السابقة صباحات أكيراز، والموسيقي المعروف عارف صاغ، والمغني وكاتب الأغاني أونور أقين، وعضو الحزب المخضرم عبد الرحمن غزر، البالغ من العمر 103 أعوام.
الحزب الجديد… الاسم مؤجل والهدف معلن
ورغم إعلان أوزغور أوزيل عزمه تأسيس حزب جديد، فإنه لم يكشف حتى الآن عن اسم الحزب أو موعد إطلاقه رسمياً.
لكنه أكد أن الحزب الجديد سيواصل دعم رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو بوصفه المرشح الرئاسي الذي سيتبناه في أي انتخابات رئاسية مقبلة.
وفي المقابل، لا يزال معظم النواب المتوقع انضمامهم إلى المشروع السياسي الجديد يحتفظون بعضويتهم في حزب الشعب الجمهوري، في انتظار اكتمال الترتيبات القانونية والتنظيمية.

