أماطت طهران اللثام عن دور محوري لعبته أنقرة في وأد مخطط كان يستهدف فتح جبهة عسكرية جديدة ضدها من جهة الحدود العراقية، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن التدخل التركي حال دون انخراط جماعات كردية مسلحة متمركزة في شمال العراق في الصراع المحتدم الذي اندلع إثر الضربات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتأتي هذه التصريحات لتكشف عن كواليس دبلوماسية معقدة جرت في ذروة التصعيد العسكري، حيث اعتبرت طهران أن التحرك الكردي المفترض لم يكن مجرد هجوم محلي، بل جزء من إستراتيجية أوسع تدعمها واشنطن وتل أبيب تهدف إلى تغيير النظام وتفتيت الوحدة الجغرافية الإيرانية.
الدبلوماسية الإيرانية والتحرك في الميدان الإقليمي
في ظل التوترات المتصاعدة، بادر رئيس الدبلوماسية الإيرانية بإجراء اتصالات مكثفة شملت نظيره التركي هاكان فيدان، ورئيس الوزراء العراقي آنذاك محمد شياع السوداني، بالإضافة إلى القيادات الكردية في إقليم كردستان العراق.
وقد حملت هذه الاتصالات رسالة إيرانية حازمة مفادها أن أي تهديد ينطلق من أراضي الإقليم سيواجه برد عسكري مباشر وعنيف، وهو ما يعكس جدية المخاوف الإيرانية من استغلال الجماعات الكردية المعارضة لحالة عدم الاستقرار الإقليمي لشن عمليات داخل العمق الإيراني.
الوساطة التركية والضغط على واشنطن
وفقاً للرواية الرسمية الإيرانية، فإن تركيا لم تكتفِ بنقل الرسائل، بل تبنت موقفاً “صلباً للغاية” في تواصلها مع الإدارة الأمريكية، حيث مارست ضغوطاً على واشنطن لثني الجماعات الكردية عن المضي قدماً في مخططاتها.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك التركي، الذي لم تؤكده أنقرة علناً من قبل، يمثل اعترافاً إيرانياً نادراً بالدور التركي في حماية أمن طهران القومي خلف الكواليس. وتجدر الإشارة إلى أن الجماعات المعنية بهذه التهديدات هي تنظيمات إيرانية كردية مسلحة تتخذ من أراضي الإقليم مقراً لها، وهي كيانات منفصلة عن الأحزاب السياسية التي تدير حكومة إقليم كردستان.
تقلبات الموقف الأمريكي ودور “ترامب” المثير للجدل
اتسم الموقف الأمريكي تجاه هذه القضية بالتناقض، فبينما أبدى الرئيس دونالد ترامب دعماً علنياً في البداية لفكرة حمل الأكراد السلاح ضد طهران واصفاً الأمر بـ”الرائع”، عاد ليتراجع عن هذا التوجه لاحقاً، معلناً رغبته في عدم إقحامهم في حرب وصفها بأنها “معقدة بما يكفي”.
كما كشفت مصادر عراقية أن ترامب ضغط في مرحلة ما على قادة إقليم كردستان لعدم عرقلة أي هجوم بري ينطلق من أراضيهم، قبل أن يغير مساره بالكامل.
وفي سياق متصل، أثارت تصريحات ترامب حول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الكثير من الجدل، حيث زعم أن أردوغان كان يفكر في دخول الحرب إلى جانب إيران، وأنه -أي ترامب- هو من أقنعه بالبقاء بعيداً.
هذه الادعاءات قوبلت بحيرة لدى المحللين، نظراً لأن تركيا وإيران، رغم تنافسهما الإقليمي، حافظتا على سلام مباشر دام لأكثر من قرنين. ومع ذلك، نقلت تقارير إعلامية إسرائيلية عن مسؤولين رفيعين أن أنقرة هددت بتقديم دعم جوي لإيران في حال دخول القوات الكردية كجزء من عملية استخباراتية إسرائيلية.
أبعاد الأمن القومي والمخاوف المشتركة
تنبع الدوافع التركية في هذا الملف من حسابات أمنية دقيقة، حيث ترتبط بعض الجماعات الكردية الإيرانية، مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، بروابط وثيقة مع حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يخوض صراعاً مريراً مع الدولة التركية منذ عقود. لذا، فإن منع تقوية هذه الجماعات يمثل مصلحة أمنية مشتركة بين أنقرة وطهران، رغم تباين وجهات نظرهما في ملفات إقليمية أخرى. وفي غضون ذلك، واصلت طهران عملياتها العسكرية ضد هذه التنظيمات، حيث أسفرت ضربة صاروخية مؤخراً في محافظة السليمانية عن مقتل عدد من أعضاء حزب كادحي كردستان (كومله).
المشهد الراهن: من الهدنة إلى الحرب الشاملة
اندلعت شرارة هذا الصراع بضربات جوية أمريكية وإسرائيلية مكثفة أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين البارزين، مما دفع طهران للرد باستهداف منشآت أمريكية وإسرائيلية في المنطقة. ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أبريل الماضي، إلا أن الاتفاق انهار سريعاً، ليعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده باتت في حالة “حرب شاملة” عقب موجة جديدة من الهجمات الأمريكية.
دلالات
يرى مراقبون أن الكشف الإيراني عن الدور التركي يعكس تحولاً في موازين القوى الإقليمية، حيث تجد أنقرة نفسها في موقع “بيضة القبان” التي تمنع انزلاق المنطقة نحو صراع قومي واسع النطاق. إن التدخل التركي لدى واشنطن لا يُفسر فقط كدعم لإيران، بل كإستراتيجية وقائية لمنع نشوء كيانات كردية مسلحة قوية على حدودها الشرقية، مما قد يحفز تطلعات مماثلة داخل أراضيها.

