تشير أحدث البيانات الاقتصادية إلى اتساع لافت في الفجوة بين الشرائح الاجتماعية في تركيا، حيث يتسارع تراكم الثروات لدى النخبة الثرية بوتيرة غير مسبوقة، في مقابل تراجع القدرة الشرائية لغالبية السكان تحت ضغط التضخم وتآكل الأجور الحقيقية.
نمو استثنائي في عدد الأثرياء
بحسب تقرير “الثروة العالمي 2026” الصادر عن شركة Knight Frank البريطانية، ارتفع عدد الأفراد الذين تتجاوز ثرواتهم 30 مليون دولار في تركيا بنسبة بلغت 93.6% خلال خمس سنوات، ليصل إلى 4,208 شخصًا. ومن المتوقع أن يواصل هذا العدد صعوده ليبلغ 4,772 بحلول عام 2031.
كما تشير التقديرات إلى زيادة عدد المليارديرات الأتراك من 35 إلى 46 خلال الفترة ذاتها، في مؤشر واضح على تسارع تراكم الثروة في قمة الهرم الاقتصادي.
موقع تركيا في المشهد العالمي
هذا النمو السريع وضع تركيا في المرتبة الثالثة عالميًا من حيث زيادة عدد فاحشي الثراء، بعد بولندا وقطر، فيما جاءت رومانيا في المرتبة الرابعة. وعلى المستوى العالمي، ارتفع عدد الأثرياء بنسبة تقارب 29% فقط خلال الفترة نفسها، ما يعني أن وتيرة النمو في تركيا تجاوزت المعدل العالمي بأكثر من ثلاثة أضعاف.
وساهمت الولايات المتحدة بأكثر من 40% من الزيادة العالمية في عدد الأثرياء، فيما عززت الصين مكانتها كمركز رئيسي لتوليد الثروة، وبرزت الهند كقطب صاعد. ورغم أن تركيا لا تُعد مركزًا ماليًا عالميًا تقليديًا، فإنها تميزت بسرعة نمو الثروات داخل شريحتها الأكثر ثراءً.
تراجع القدرة الشرائية: الوجه الآخر للنمو
في المقابل، تكشف بيانات نشرتها صحيفة (Karar) التركية عن تدهور ملموس في مستوى المعيشة لغالبية المواطنين. فمنذ عام 2021، بدأت الأجور الحقيقية في الانخفاض بفعل موجات تضخم مرتفعة.
ورغم ارتفاع الحد الأدنى للأجور من 2,825 ليرة (ما يعادل نحو 320–330 دولارًا آنذاك) إلى 28,075 ليرة في عام 2026 (نحو 550–620 دولارًا حسب سعر الصرف)، فإن هذا الارتفاع لم يواكب الزيادة الحادة في الأسعار.
مؤشرات الحياة اليومية: تآكل ملموس في الدخل
تعكس المقارنات المرتبطة بالسلع اليومية حجم التراجع في القدرة الشرائية بشكل أكثر وضوحًا:
- انخفض عدد أكواب الشاي التي يمكن شراؤها بالحد الأدنى للأجور من 1,883 كوبًا في 2021 إلى 935 كوبًا في 2026، أي انخفاض يقارب النصف.
- تراجع عدد وجبات “بيغ ماك” الممكن شراؤها من 76 إلى 70 وجبة خلال الفترة نفسها.
- انخفضت القدرة الشرائية لمكافأة المتقاعدين في الأعياد، من شراء 440 قطعة “سميت” إلى نحو 200 فقط.
وفي سياق متصل، ارتفع الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية بنسبة 693%، إلا أن أسعار السلع الأساسية، مثل الشاي، قفزت بنسبة تصل إلى 1,900%، ما يعكس فجوة كبيرة بين نمو الدخل وارتفاع الأسعار.
تضخم مزمن يضغط على الاقتصاد
تعيش تركيا منذ عام 2019 تحت وطأة تضخم مزدوج الرقم، حيث بقيت معدلات التضخم السنوية فوق 30% خلال السنوات الأربع الأخيرة. وقد بلغ التضخم ذروته متجاوزًا 75% في مايو 2024، قبل أن يبدأ بالتراجع التدريجي، دون أن يخفف بشكل كافٍ من الضغط على مستويات المعيشة.
فجوة دخل متسعة
تشير البيانات إلى أن أعلى 20% من الأسر في تركيا تحقق دخلًا يزيد بنحو ثمانية أضعاف عن أدنى 20%، ما يضع البلاد ضمن أكثر الدول تفاوتًا في توزيع الدخل بين أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
النظام الضريبي: عبء أكبر على الفئات الدنيا
تُظهر بيانات إدارة الإيرادات أن الشركات القابضة والمؤسسات المالية لا تسهم سوى بنحو 15% من كل 100 ليرة من الإيرادات الضريبية، في حين تتحمل الفئات ذات الدخل المحدود الجزء الأكبر من العبء الضريبي.
ويرتبط هذا الخلل باعتماد الدولة بشكل كبير على الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة والضرائب الخاصة على الاستهلاك، وهي ضرائب تؤثر بشكل أكبر على أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط.
اقتصاد ينمو من الأعلى إلى الأسفل
تعكس هذه المؤشرات نمطًا اقتصاديًا غير متوازن، حيث تتراكم الثروات بسرعة في القمة دون أن تنعكس على القاعدة الاجتماعية. فالنمو المسجل في عدد الأثرياء لا يرتبط بتوسع إنتاجي شامل، بقدر ما يعكس تحولات في توزيع الموارد، وسياسات نقدية ومالية ساهمت في إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية لصالح فئات محددة.
كما أن استمرار الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، إلى جانب ضعف سياسات إعادة التوزيع، يعمّق الفجوة الاجتماعية، ويجعل آثار التضخم أكثر قسوة على الفئات الهشة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد التركي لا يكمن في تحقيق النمو، بل في ضمان توزيعه بشكل أكثر عدالة واستدامة.

