في تطور لافت ضمن مسار العلاقات المتوترة تاريخيًا بين أنقرة ويريفان، أجرى نائب الرئيس التركي جودت يلماز زيارة رسمية إلى العاصمة الأرمينية، تُعد الأعلى مستوى منذ زيارة الرئيس التركي الأسبق عبد الله غُول عام 2008. وتأتي هذه الخطوة في سياق جهود متواصلة، وإن كانت حذرة، لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين بعد عقود من القطيعة السياسية وإغلاق الحدود.
لقاء سياسي في ظل قمة أوروبية
انعقد اللقاء بين يلماز ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في يريفان، على هامش القمة الثامنة لـ”المجتمع السياسي الأوروبي”، التي تُعقد تحت شعار “بناء المستقبل: الوحدة والاستقرار في أوروبا”. وقد مثّل يلماز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذه القمة التي تجمع قادة أوروبيين في توقيت حساس إقليميًا.
ووصف يلماز الاجتماع بأنه “شامل ومثمر”، مشيرًا إلى أنه تناول ملفات متعددة، من بينها التعاون في مجالات النقل والجمارك والطاقة والبنية التحتية الرقمية، إضافة إلى سبل تعزيز الترابط الإقليمي.
جسر “آني”: رمز لإحياء الروابط
من أبرز نتائج اللقاء توقيع مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل “جسر آني” التاريخي، الواقع على نهر أرباتشاي/أخوريان، والذي كان يربط بين الأناضول وجنوب القوقاز في العصور الوسطى. ويحمل هذا المشروع دلالة رمزية، إذ يُنظر إليه كجسر يعكس إمكانية إعادة وصل ما انقطع بين البلدين.
وقد وُقعت المذكرة برعاية مباشرة من يلماز وباشينيان، عبر الممثلين الخاصين لعملية التطبيع، وهما سردار كيليتش عن الجانب التركي، وروبين روبينيان عن الجانب الأرميني.
استعادة سياق “دبلوماسية كرة القدم”
تعيد هذه الزيارة إلى الأذهان محطة عام 2008، حين زار عبد الله غُول أرمينيا لحضور مباراة ضمن تصفيات كأس العالم بدعوة من الرئيس الأرميني آنذاك سيرج سركسيان، في إطار ما عُرف بـ”دبلوماسية كرة القدم”، وهي مبادرة لم تكتمل لكنها فتحت نافذة أمل مؤقتة للتقارب.
مسار تطبيع مستمر دون اختراق حاسم
رغم الزخم الدبلوماسي، لا تزال العلاقات بين البلدين تفتقر إلى التمثيل الدبلوماسي الرسمي، كما أن الحدود البرية مغلقة منذ عام 1993، حين أغلقتها أنقرة دعمًا لأذربيجان خلال حرب ناغورنو كاراباخ الأولى.
وتربط تركيا أي تقدم جوهري في هذا المسار بإبرام اتفاق سلام نهائي بين أرمينيا وأذربيجان، وهو ما لم يتحقق بعد، رغم توقيع مسودة اتفاق أولي بين الطرفين في واشنطن خلال أغسطس 2025.
نفي رسمي لفتح الحدود: لا جدول زمني حتى الآن
في سياق متصل، نفت وزارة الخارجية التركية تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال فتح الحدود البرية مع أرمينيا في الرابع من يونيو. وأكدت مصادر دبلوماسية أن العمل جارٍ منذ أربع سنوات نحو “تطبيع كامل”، مع اتخاذ خطوات لبناء الثقة في مجالات متعددة، دون تحديد موعد فعلي لفتح المعابر.
وأوضحت أن الاستعدادات الفنية على الحدود تهدف فقط إلى ضمان الجاهزية عند اتخاذ القرار السياسي، مؤكدة أن أي تقدم مرهون بتوقيع اتفاق سلام بين باكو ويريفان.
معبر أليجان–مارغارا: تاريخ من الإغلاق والانفراج المؤقت
يمثل معبر “أليجان–مارغارا”، الذي يربط ولاية إغدير التركية بمنطقة أرمافير الأرمينية، أحد أبرز نقاط التماس بين البلدين. وقد ظل مغلقًا منذ 1993، باستثناء فتحه المؤقت عام 2023 للسماح بدخول مساعدات أرمينية إلى تركيا عقب زلزال 6 فبراير، كما استُخدم لاحقًا لاستضافة جولة من محادثات التطبيع.
خطوات بناء الثقة: تقدم تدريجي
ضمن مسار التطبيع، اتفق الطرفان على عدد من الإجراءات، من بينها إطلاق رحلات جوية مباشرة، وتسيير شحن جوي، وفتح الحدود أمام حاملي الجوازات الدبلوماسية ومواطني دول ثالثة، إلا أن التنفيذ الكامل لا يزال معلقًا.
كما شهدت الأشهر الأخيرة نقاشات متقدمة بشأن إعادة تشغيل خط سكة حديد “قارص–غيومري”، الذي كان يشكل شريانًا تجاريًا مهمًا قبل توقفه عام 1993. وقد اجتمع مسؤولون من البلدين في مدينة قارص أواخر أبريل لتشكيل مجموعة عمل مشتركة تهدف إلى إعادة تشغيل الخط في أقرب وقت.
السلام الأرميني–الأذربيجاني: مفتاح التقدم
يتقاطع مسار التطبيع التركي–الأرميني مع مسار السلام بين أرمينيا وأذربيجان. فرغم التقدم النسبي، لا يزال الاتفاق النهائي معلقًا، في ظل مطالب أذربيجانية بتعديلات دستورية في أرمينيا، تتعلق بما تعتبره “مطالب إقليمية”.
وقد تعهد باشينيان بإجراء هذه التعديلات، مع احتمال طرحها في استفتاء شعبي بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 يونيو.
تطبيع مشروط وتوازنات إقليمية
تعكس التحركات الأخيرة رغبة مشتركة في كسر الجمود، لكنها تظل محكومة بتوازنات إقليمية معقدة، أبرزها العلاقة الثلاثية بين تركيا وأرمينيا وأذربيجان. فأنقرة لا تنفصل في حساباتها عن تحالفها الاستراتيجي مع باكو، ما يجعل أي تقارب مع يريفان مشروطًا بمسار موازٍ في جنوب القوقاز.
كما أن الخطوات الرمزية، مثل ترميم جسر آني، تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الثقافي، في محاولة لبناء سردية جديدة للعلاقات تقوم على المصالح المشتركة بدلًا من إرث الصراع.

