تناول الكاتب الصحفي والأكاديمي التركي المتخصص في الشؤون الأمنية والعلاقات الدولية، أمرَهْ أوسلو، في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، مزاعم وجود حراك استثنائي يعصف بأروقة السياسة المحافظة في تركيا، وتحديداً داخل الأحزاب المنبثقة عن تقليد “الرؤية الوطنية” (ملي غوروش)، التي أسسها وقادها الراحل نجم الدين أربكان، الذي يعتبر أبا الإسلام السياسي في تركيا.
ويرى أوسلو أن هذا المشهد يتجاوز مجرد التكهنات، حيث تبرز مؤشرات ملموسة على عودة قوية للرئيس السابق عبد الله جول إلى الساحة السياسية، مدفوعاً بمتغيرات داخلية ودولية بدأت تتبلور في الأفق.
إعادة تشكيل المعسكر المحافظ: حراك “جول” والبحث عن الطريق الثالث
يرصد أمرَهْ أوسلو تحركات مكثفة يقودها عبد الله جول عبر قنوات غير مباشرة، أبرزها ما يكتبه الصحفي المقرب منه “فهمي كورو”، الذي بدأ يمهد الطريق لما يُسمى بـ”الطريق الثالث”. ويوضح أوسلو أن هذا الحراك يسعى لتقديم “مانيفستو” (بيان سياسي) يطرح واجهة جديدة تماماً، قادرة على إقناع الرأي العام بقدرتها على حل الأزمات المستعصية.
ويؤكد أوسلو أن جول لم يركن إلى العزلة في منزله كما يُشاع، بل إن نشاطه الدبلوماسي والسياسي مستمر عبر زيارات متكررة إلى لندن وواشنطن، مما يعزز فرضية وجود رغبة دولية في رؤية تركيا “بلا أردوغان” في المرحلة المقبلة.
وبحسب تحليل أوسلو، فإن الشجاعة التي يبديها جول حالياً تنبع من إدراكه لوجود “كونسورتيوم دولي” بدأ يسحب دعمه من الرئيس أردوغان، خاصة في ظل التوترات مع القوى الغربية وبعض اللوبيات الدولية.
الفراغ السياسي وفرص البدائل الجديدة
يحلل أمرَهْ أوسلو الفجوة العميقة في السياسة التركية الحالية، مستشهداً باستطلاعات رأي تشير إلى أن نحو ثلاثين بالمائة من المواطنين يعتقدون أن لا حزب العدالة والتنمية ولا حزب الشعب الجمهوري قادران على حل مشاكل البلاد. هذا الفراغ يمثل، من وجهة نظر أوسلو، المساحة التي يحاول عبد الله جول وفريقه استغلالها عبر طرح قيادة “جديدة ومجربة” قادرة على إعادة التوازن للدولة.
ويذهب أوسلو إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن تيار “الرؤية الوطنية” الأصيل قد جرى استنزافه واستهلاكه في عهد أردوغان، حيث استخدمت الرموز الدينية في تشكيل سياسات يومية وخلق نفوذ سياسي داخلي وخارجي، استُبدلت مبادئ “النظام العادل” التي أعلت “الرؤية الوطنية” من شأنها، أدى في النهاية إلى تآكل مفهوم العدالة في الداخل والدبلوماسية المعقولة في الخارج. لذا، فإن التحرك الحالي يهدف إلى استعادة الشرعية المفقودة للرؤية الوطنية ذات التوجه المحافظ، عبر تبني قضايا المظلومين، وعلى رأسهم ضحايا مراسيم مراسيم حالة الطوارئ، الذين ينتمي ٪٩٥ منهم إلى حركة الخدمة.
قضية ضحايا مراسيم حالة الطوارئ كقوة سياسية كامنة
يقدم أمرَهْ أوسلو رؤية استراتيجية لمستقبل ضحايا مراسيم حالة الطوارئ، داعياً إياهم إلى الكف عن انتظار الحلول من الأحزاب التقليدية مثل حزب الشعب الجمهوري، الذي يرى أوسلو أنه قد يساهم في “شرعنة” إقصائهم بدلاً من حله. ويقترح أوسلو أن يشكل هؤلاء الضحايا كتلة سياسية مستقلة أو حزباً، ليس بالضرورة من أجل الحكم، بل لاستخدام ثقلهم كأداة ضغط وتفاوض في التحالفات المقبلة.
ويشير أوسلو إلى أن هؤلاء الضحايا يمتلكون طاقات “ميريتوقراطية” (كفاءات) كانت تشكل عصب الدولة التركية قبل إقصائها، وأن عودة هذه الكفاءات هي السبيل الوحيد لإعادة إحياء مؤسسات الدولة المنهارة. ويرى أن مجرد إعلان النية لتأسيس حراك سياسي سيجعلهم رقماً صعباً في أي مفاوضات سياسية مقبلة.
السياق الدولي والتوازنات الاستراتيجية
في قراءته للعلاقات الدولية، يوضح أمرَهْ أوسلو أن تركيا تحولت إلى “قضية أمنية” بالنسبة للغرب، وأن السياسات الحالية أدت إلى عزلتها. ومع ذلك، يرى أوسلو أن الغرب لا يهتم كثيراً بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا طالما أن النظام الحاكم قادر على “بيع” الموقع الاستراتيجي وتأمين المصالح الغربية، مثل ملف المهاجرين.
ويخلص أوسلو إلى أن التغيير الحقيقي يجب أن ينبع من الداخل، عبر استغلال “الفرصة الذهبية” التي خلقها الفراغ السياسي بعد الانتخابات الأخيرة، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. ويشدد على أن عبد الله جول، رغم كونه شخصية حذرة تاريخياً، يدرك الآن أن المناخ السياسي مهيأ لحراك جديد قد يغير وجه تركيا في مرحلة ما بعد أردوغان.
خلاصة
يرى أمرَهْ أوسلو أن تحركات عبد الله جول تعكس وجود فراغ سياسي دولي ومحلي يسعى لاستبدال النموذج الحالي بقيادة محافظة تقليدية تمتلك قبولاً غربياً. ويحث أوسلو القوى المتضررة، كضحايا مراسيم حالة الطوارئ، على انتزاع دور سياسي فاعل بدلاً من البقاء في مقاعد المتفرجين بانتظار وعود المعارضة التقليدية.

