أصدرت محكمة تركية قرارًا بحبس ثلاث وثلاثين طالبة جامعية على ذمة المحاكمة، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بصلات مزعومة بحركة فتح الله كولن.
وجاءت هذه الخطوة في إطار تحقيق أمني واسع النطاق تمحور حول ولاية إزمير، وامتد ليشمل عدة مناطق داخل البلاد.
العملية الأمنية لم تقتصر على مدينة واحدة، بل شملت اثنتي عشرة ولاية، من بينها أضنة وآيدن ومانيسا ونيغده، في مؤشر على اتساع نطاق المتابعة الأمنية المرتبطة بهذا الملف. وقد بلغ عدد الموقوفين في هذه الحملة ثمانية وسبعين شخصًا، بينهم الطالبات المعنيات.
طبيعة الاتهامات وسياقها القضائي
النيابة العامة في إزمير وجهت مجموعة من التهم إلى الطالبات، تمحورت حول الاستمرار في أنشطة مرتبطة بالحركة، وتقديم دعم مالي لها، إضافة إلى المشاركة في برامج خارجية وصفتها السلطات بأنها مغطاة بطابع سياحي، لكنها تُستخدم – بحسب الاتهام – لأغراض تنظيمية.
كما شملت الاتهامات أنماطًا من الحياة اليومية مثل استئجار مساكن مشتركة وتقاسم النفقات، والالتقاء ضمن مجموعات اجتماعية، فضلًا عن السفر إلى دول في منطقة البلقان، مثل البوسنة والهرسك، وهو ما اعتبرته السلطات جزءًا من شبكة علاقات مرتبطة بالحركة.
الإجراءات القانونية ونتائج التحقيق
بعد انتهاء فترة الاحتجاز، أُحيل عدد من الطالبات إلى المحكمة، حيث تقرر الإفراج عن ست منهن تحت رقابة قضائية، تشمل قيودًا مثل الحضور الدوري للسلطات أو حظر السفر. في المقابل، صدر قرار بحبس البقية انتظارًا لاستكمال الإجراءات القضائية.
وخلال عمليات التفتيش، ضبطت السلطات مبالغ مالية بعملات مختلفة، إلى جانب معادن ثمينة ووثائق ومواد رقمية، وقدّرت القيمة الإجمالية للمضبوطات بما يقارب ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف ليرة تركية.
الخلفية السياسية: من الصراع إلى التصنيف
تعود جذور هذا الملف إلى التوتر السياسي الذي تفجر في أعقاب تحقيقات الفساد التي شهدتها تركيا في أواخر عام ٢٠١٣، والتي طالت شخصيات قريبة من الرئيس رجب طيب أردوغان. وقد اعتبر الأخير تلك التحقيقات مؤامرة تقف وراءها حركة كولن.
لاحقًا، وفي سياق محاولة الانقلاب الغامضة في صيف ٢٠١٦، صعّدت الحكومة التركية موقفها، ووجهت اتهامات مباشرة للحركة بالوقوف وراء المحاولة، وهو ما تنفيه الحركة بشكل قاطع. وفي أعقاب ذلك، تم تصنيفها رسميًا كتنظيم إرهابي، ما فتح الباب أمام حملة واسعة من الاعتقالات والإجراءات القضائية.
أرقام تعكس اتساع الحملة
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل التركية إلى أن أكثر من مئة وستة وعشرين ألف شخص أُدينوا بتهم مرتبطة بالحركة منذ عام ٢٠١٦. ولا يزال آلاف آخرون قيد المحاكمة أو التحقيق، فيما يقبع أكثر من أحد عشر ألف شخص في السجون حتى الآن.
كما أدت هذه الحملة إلى موجات هجرة قسرية، حيث غادر عدد كبير من المنتمين أو المشتبه بانتمائهم إلى الحركة البلاد، هربًا من الملاحقات القضائية.
بين الأمن والسياسة
تعكس هذه القضية استمرار النهج الأمني الصارم الذي تتبعه الدولة التركية في التعامل مع ملف حركة كولن، حتى بعد مرور نحو عقد على محاولة الانقلاب. ويُظهر استهداف فئات طلابية شابة أن نطاق الملاحقة لم يعد مقتصرًا على النخب بل يشمل شبكات اجتماعية أوسع.
في المقابل، يثير هذا التوسع تساؤلات لدى منظمات حقوقية بشأن معايير الإثبات وحدود التمييز بين النشاط الاجتماعي المشروع والنشاط الإرهابي، خاصة عندما تُدرج ممارسات يومية عادية ضمن لائحة الاتهام.
على الصعيد السياسي، يظل هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية في الداخل التركي، إذ يرتبط مباشرة بشرعية النظام وسرديته حول الأمن القومي، كما يؤثر على علاقات أنقرة مع شركائها الغربيين، الذين يبدون قلقًا متكررًا بشأن أوضاع الحريات والعدالة.
التطورات السياقية الأحدث
في السنوات الأخيرة، لم تتراجع وتيرة القضايا المرتبطة بالحركة، بل استمرت بأشكال متفاوتة، مع تركيز متزايد على الشبكات المالية والتعليمية العابرة للحدود. كما شهدت الساحة القانونية التركية تعديلات وإجراءات تهدف إلى تسريع المحاكمات وتعزيز أدوات المراقبة.
في الوقت ذاته، تزايد حضور هذا الملف في النقاشات الدولية، خاصة في ظل قضايا اللجوء السياسي وتسليم المطلوبين، وهو ما يضعه في قلب توازنات معقدة بين الأمن والسياسة والقانون الدولي.
خلاصة
تؤكد القضية استمرار المقاربة الأمنية الحازمة تجاه حركة كولن، مع اتساع دائرة الاستهداف لتشمل فئات شبابية. وفي المقابل، يظل الجدل قائمًا حول التوازن بين مقتضيات الأمن وضمانات العدالة وحقوق الأفراد.

