يرى الكاتب الصحفي التركي بنيامين تكين أن مشهد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا يمر حالياً بمرحلة من “الجمود المشوب بالحذر”، حيث تصطدم محاولات إذابة الجليد الدبلوماسي بجدار من عدم الثقة المتبادل.
ورغم إدراك بروكسل المتزايد لثقل أنقرة في ملفات الأمن والدفاع والدبلوماسية الإقليمية، إلا أن هناك ممانعة أوروبية واضحة في منح تركيا مقعداً داخل هياكل صنع القرار في الاتحاد، نتيجة مخاوف تتعلق بـ “التراجع الديمقراطي” والنزاعات المستمرة مع اليونان وقبرص، فضلاً عن عدم اتساق السياسات الخارجية.
تصريحات فون دير لاين: شرارة التوتر وتأصيل الاستبعاد
يؤكد بنيامين تكين في تحليله بموقع “توركيش مينوت” أن التصريحات الأخيرة لرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في هامبورغ، مثلت نقطة تحول سلبية؛ حيث دعت لضرورة استكمال توسيع الاتحاد لضمان عدم وقوع القارة تحت “نفوذ روسي أو تركي أو صيني”.
هذا الربط بين تركيا وقوى منافسة للاتحاد أثار موجة غضب عارمة في أنقرة، واعتبره حلفاء الحكومة التركية، مثل دولت بهجلي، تجسيداً لسياسة “المعايير المزدوجة” والغطرسة الأوروبية، مؤكدين أن أوروبا لا يمكنها الاستغناء عن تركيا.
ورغم محاولات المفوضية لاحقاً تلطيف الأجواء بوصف تركيا “شريكاً اقتصادياً وسياسياً لا غنى عنه”، إلا أن الواقع الميداني عكس فجوة أعمق، تجلت في استبعاد تركيا من قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين في قبرص، وهو ما عزز التساؤل الجوهري: هل يريد الاتحاد تركيا شريكاً استراتيجياً أم مجرد “طرف خارجي مفيد”؟
من التحالف المؤسساتي إلى الشراكة النفعية
يشير بنيامين تكين إلى تحول عميق في طبيعة العلاقة؛ إذ لم تعد محورية “عملية الانضمام” هي المحرك الأساسي، بل حلت محلها “المقاربة النفعية” القائمة على ملفات محددة كالهجرة، والتعاون الأمني المرتبط بحرب أوكرانيا، والروابط الاقتصادية. هذا التوجه جعل قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية تتراجع إلى الخلفية في الدبلوماسية اليومية، كون الاتحاد بات ينظر لتركيا كشريك “أجنبي” وليس “أوروبياً”.
وبرؤية تحليلية، يرى تكين أن بروكسل تخشى تكرار نماذج مثل المجر وبولندا داخل المنظومة الأوروبية؛ فإدخال تركيا بهيكلها الحالي إلى مراكز القرار قد يؤدي إلى شلل في آليات التصويت، خاصة في قضايا الأمن القاري، لذا يفضل الأوروبيون إدارة النزاعات في البلقان وشرق المتوسط مع تركيا كلاعب خارجي بدلاً من تحويلها إلى أزمات داخلية.
عوائق هيكلية وانقسامات داخلية
يسلط بنيامين تكين الضوء على مؤشرات رقمية تعكس حجم التباعد؛ فقد انخفض معدل مواءمة تركيا مع بيانات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي وقرارات العقوبات بشكل حاد من ستة بالمئة في عام ألفين وأربعة وعشرين إلى أربعة بالمئة فقط في عام ألفين وخمسة وعشرين. هذا الاغتراب السياسي يرافقه انقسام داخل الاتحاد نفسه؛ فبينما تبدي دول مثل إيطاليا وألمانيا مرونة في تعميق الروابط الأمنية، تظل فرنسا واليونان وقبرص في خندق المعارضة الشديدة لأي دور تركي ضمن الهندسة الأمنية الأوروبية. كما تزيد قيود البرلمان الأوروبي على تعاون الدفاع المشترك من تعقيد المشهد، مما يجعل أي تقارب حقيقي يحتاج إلى عقود من بناء الثقة المفقودة.
الفرص الضائعة وغياب الإرادة السياسية
يرى الكاتب أن تركيا تضيع فرصاً تاريخية ناتجة عن التحولات الكبرى في النظام الدولي؛ فموقعها الجيوسياسي، وقدراتها الدفاعية المتنامية، وثقلها في حلف الناتو، ومن البحر الأسود إلى القوقاز، كلها أوراق قوة لم تترجم إلى مكاسب استراتيجية ملموسة داخل الاتحاد. ويرجع بنيامين تكين ذلك إلى غياب “اللغة السياسية المشتركة” وتآكل مبدأ سيادة القانون والقدرة على التنبؤ المؤسساتي في الداخل التركي، مما حال دون تحديث الاتحاد الجمركي أو بناء شراكة متينة في سلاسل التوريد تحت إطار “صنع في أوروبا”. وفي المقابل، يعاني الاتحاد الأوروبي نفسه من غياب سياسة متماسكة تجاه تركيا، حيث يخضع القرار الأوروبي لضغوط اليمين المتطرف والحسابات السياسية الداخلية في الدول الأعضاء.
خلاصة القول
تستمر العلاقة بين بروكسل وأنقرة كزواج ضرورة يفتقر إلى المودة، حيث يظل الطرفان عاجزين عن الانفصال التام أو تحقيق اندماج حقيقي، مما يجعل الشراكة رهينة لإدارة الأزمات المؤقتة بدلاً من المشروع السياسي المشترك.

