تكشف نتائج استطلاع حديث عن تحوّل عميق في سلوك الأفراد داخل تركيا، حيث باتت الرقابة الذاتية جزءًا من الحياة اليومية، مدفوعة بمخاوف متزايدة من الملاحقة القانونية والمراقبة الأمنية. هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على النخب السياسية أو الإعلامية، بل امتدت لتشمل قطاعات واسعة من المجتمع، ما يعكس تراجعًا ملموسًا في الثقة بحرية التعبير.
نتائج استطلاع ميداني: مؤشرات مقلقة
أُجري الاستطلاع عبر الإنترنت من قبل مركز “ساحة للأبحاث”(Saha Araştırmaları Merkezi) خلال الفترة الممتدة بين أواخر مارس وبداية أبريل، وشمل عينة من 760 مشاركًا، غالبيتهم من ذوي التعليم الجامعي.
النتائج جاءت لافتة؛ إذ أقرّ أكثر من نصف المشاركين بأنهم تعرضوا بشكل مباشر لإجراءات قانونية بسبب آرائهم، بينما أكد نحو تسعين بالمئة أنهم يعرفون أشخاصًا واجهوا عقوبات قانونية على خلفية التعبير عن مواقفهم.
هذا الامتداد غير المباشر للعقوبات يعزز مناخ الردع العام، حيث لا يقتصر الأثر على المستهدفين فقط، بل ينعكس على محيطهم الاجتماعي، دافعًا مزيدًا من الأفراد إلى تقييد أنفسهم.
الحياة اليومية تحت المراقبة: تغيّر في أنماط التواصل
أحد أبرز تجليات هذا المناخ هو التحول في سلوك الأفراد أثناء التواصل. فقد أشار أكثر من أربعة أخماس المشاركين إلى أنهم يغيرون طريقة حديثهم أثناء المكالمات الهاتفية خشية المراقبة، في حين أفاد ما يقارب نصفهم بأنهم يعيدون التفكير مرارًا قبل نشر أي محتوى سياسي عبر الإنترنت.
هذا الحذر المتزايد لا يعكس فقط الخوف من الدولة، بل يشير إلى حالة داخلية من الرقابة الذاتية المتجذرة، حيث يصبح الفرد رقيبًا على ذاته قبل أي جهة أخرى.
تآكل الثقة بحرية التعبير
عند تقييم مستوى حرية التعبير في البلاد، جاءت النتائج سلبية بشكل واضح. فقد اعتبر ما يقارب سبعين بالمئة من المشاركين أن انتقاد الدولة “غير آمن إطلاقًا”، بينما حصلت عبارة “يمكن للناس في تركيا التعبير بحرية عن أفكارهم” على تقييم متدنٍ للغاية بلغ 1.6 من أصل 5.
هذه الأرقام تعكس فجوة عميقة بين النصوص القانونية التي تضمن حرية التعبير، والواقع العملي الذي يعيشه المواطنون.
دوافع الرقابة الذاتية: القانون في الصدارة
تتعدد الأسباب التي تدفع الأفراد إلى تقييد أنفسهم، إلا أن الخوف من العواقب القانونية جاء في المرتبة الأولى، تليه مخاوف فقدان الوظيفة، ثم التهديدات المحتملة من جهات رسمية أو غير رسمية.
هذا الترتيب يكشف أن العامل القانوني لا يُنظر إليه كإطار تنظيمي محايد، بل كأداة قد تُستخدم لمعاقبة التعبير المخالف.
تصاعد الملاحقات القضائية: أرقام ودلالات
شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا حادًا في عدد القضايا المرتبطة بحرية التعبير، لا سيما تلك المتعلقة بتهمة “إهانة الرئيس” أو مؤسسات الدولة. ففي عام 2014، وهو العام الذي انتُخب فيه رجب طيب أردوغان رئيسًا، لم يتجاوز عدد الملاحقين بهذه التهمة بضع مئات. غير أن هذا الرقم ارتفع بشكل كبير بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي التنفيذي عام 2018، ليصل إلى عشرات الآلاف سنويًا، متجاوزًا 59 ألف قضية بحلول عام 2025.
هذا التصاعد يعكس تحولًا بنيويًا في العلاقة بين السلطة والمجال العام، حيث باتت القوانين تُستخدم بشكل متزايد لضبط الخطاب السياسي.
الإطار القانوني: بين مكافحة “الإساءة” و”المعلومات المضللة”
تعتمد السلطات التركية على مجموعة من القوانين التي تجرّم إهانة المسؤولين، ونشر ما يُعرف بـ”المعلومات المضللة”، إضافة إلى تهم تتعلق بالدعاية “الإرهابية”. وقد استُخدمت هذه القوانين بشكل متكرر ضد سياسيين معارضين، وصحفيين، ونشطاء حقوقيين، ما أثار انتقادات واسعة من جهات دولية.
مواقف دولية: انتقادات مستمرة
أعربت مؤسسات دولية بارزة، مثل مجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي ومنظمة العفو الدولية، عن قلقها المتكرر إزاء القيود المفروضة على حرية التعبير وتقييد عمل الجمعيات في تركيا. وتشير هذه المواقف إلى أن القضية لم تعد شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبحت موضع متابعة دولية مستمرة.
من الخوف القانوني إلى إعادة تشكيل المجال العام
تشير هذه المعطيات إلى أن الرقابة الذاتية في تركيا لم تعد مجرد رد فعل مؤقت، بل تحولت إلى نمط سلوكي مستقر يعيد تشكيل المجال العام.
فعندما يخشى الأفراد التعبير عن آرائهم في محادثاتهم الخاصة أو على منصاتهم الرقمية، فإن ذلك يؤدي إلى تآكل النقاش العام، ويحد من تنوع الآراء، ويضعف آليات المساءلة المجتمعية.
كما أن اتساع دائرة الملاحقات القانونية يخلق بيئة ردعية تُنتج “صمتًا جماعيًا”، قد يكون أكثر تأثيرًا من الرقابة المباشرة.
الخلاصة
تعكس نتائج الاستطلاع واقعًا يتسم بتراجع الثقة بحرية التعبير وتصاعد الرقابة الذاتية، مدفوعًا بالخوف من العواقب القانونية والاجتماعية. هذا المناخ لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل الفضاء العام ويحد من الحيوية الديمقراطية.

