سجلت المالية العامة في تركيا تحولًا لافتًا خلال شهر مايو، إذ انتقلت من فائض بلغ 235.2 مليار ليرة في الفترة نفسها من العام الماضي إلى عجز قدره 298.2 مليار ليرة، أي ما يعادل نحو 6.5 مليار دولار.
هذا التغير يعكس تدهورًا شهريًا في رصيد الميزانية بنحو 533.5 مليار ليرة، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الخزانة والمالية.
تراجع الإيرادات مقابل تصاعد الإنفاق
البيانات تظهر اختلالًا واضحًا بين جانبي الإيرادات والنفقات، حيث انخفض إجمالي الإيرادات بنسبة 18% ليصل إلى 1.09 تريليون ليرة، مقابل ارتفاع الإنفاق الحكومي بنسبة 27% ليبلغ 1.38 تريليون ليرة.
هذا التباين شكّل العامل الأساسي وراء اتساع العجز، في ظل ضغوط مالية متزايدة.
انهيار ملحوظ في العائدات الضريبية
العامل الأكثر تأثيرًا كان التراجع الكبير في الإيرادات الضريبية، التي انخفضت بنسبة 22.1% إلى 931.5 مليار ليرة، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من تراجع الدخل الحكومي.
تفاصيل الانخفاض تكشف صورة أكثر دقة، حيث تشير المعطيات إلى تراجع ضريبة الدخل بنسبة 57.4%، وانخفاض ضريبة الشركات بنسبة 21.9%، وهبوط ضريبة القيمة المضافة المحلية بنسبة 66.1%، وتراجع إيرادات ضريبة الاستهلاك الخاص بنسبة 9.5%
في المقابل، سُجلت زيادات محدودة في بعض البنود، إذ كشفت الإحصائيات عن ارتفاع ضريبة القيمة المضافة على الواردات بنسبة 17.5%، وزيادة ضرائب المعاملات المصرفية والتأمين بنسبة 25.6%.
تفسير تقني: أثر تعديل رزنامة التحصيل
لا يعكس هذا التراجع بالضرورة ضعفًا بنيويًا كاملًا في الإيرادات، إذ يعود جزء منه إلى تعديل في جدول تحصيل الضرائب. فقد أعادت الحكومة العمل بتقديم رابع لضريبة الشركات بشكل مؤقت، ما أدى إلى تحصيل جزء من إيرادات مايو من العام الماضي في شهر فبراير من العام الجاري، وهو ما أثّر على المقارنة السنوية.
وكانت مؤسسة “أك بنك” للأبحاث الاقتصادية قد توقعت هذا التدهور مسبقًا نتيجة هذا التعديل الإجرائي.
العجز الأولي وعبء الفوائد
عند استبعاد مدفوعات الفائدة، سجلت الميزانية عجزًا أوليًا قدره 169.3 مليار ليرة، مقارنة بفائض أولي بلغ 346.4 مليار ليرة في مايو من العام الماضي.
في الوقت ذاته، ارتفعت مدفوعات الفائدة بنسبة 16% لتصل إلى 128.9 مليار ليرة، ما يعكس استمرار الضغوط الناتجة عن السياسة النقدية المشددة.
قراءة للأشهر الخمسة الأولى
على مستوى الفترة الممتدة من يناير إلى مايو، بلغ العجز الكلي 1.057 تريليون ليرة (حوالي 22.9 مليار دولار)، بزيادة اسمية قدرها 62.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، علما أن هذه المقارنة لا تأخذ في الاعتبار معدل التضخم السنوي الذي بلغ 32.61% في مايو
في جانب الإنفاق والإيرادات
وارتفع الإنفاق بنسبة 37.4% ليصل إلى 7.33 تريليون ليرة، في حين زادت الإيرادات بنسبة 33.9% لتبلغ 6.28 تريليون ليرة، بينما نمت الإيرادات الضريبية بنسبة 32.4% إلى 5.3 تريليون ليرة.
ورغم العجز الكلي، سجلت الميزانية فائضًا أوليًا قدره 205.6 مليار ليرة، مقارنة بـ185.5 مليار ليرة في العام السابق، ما يعني أن الفوائد تظل العامل الحاسم في تفاقم العجز.
الفوائد كمحرك رئيسي للعجز
بلغت مدفوعات الفائدة خلال الأشهر الخمسة الأولى 1.26 تريليون ليرة (نحو 27.3 مليار دولار)، بزيادة 51.1% على أساس سنوي.
وتشير البيانات إلى أن العجز التراكمي ناتج أساسًا عن هذه المدفوعات، إذ إن الإيرادات كانت كافية لتغطية النفقات باستثناء بند الفوائد.
بنية الإنفاق الحكومي
تفصيل مكونات الإنفاق يكشف عن توسع واسع في عدة بنود رئيسية، فالإنفاق على الأجور ارتفع بنسبة 43.1% ليصل إلى 2.1 تريليون ليرة، وزادت تحويلات الضمان الاجتماعي بنسبة 49.3% إلى 267.3 مليار ليرة، وارتفع الإنفاق على السلع والخدمات بنسبة 39.7% إلى 472 مليار ليرة، أما التحويلات الجارية فبلغت 2.65 تريليون ليرة بزيادة 29.2%.
الإطار السنوي والسياسة الاقتصادية
حددت الحكومة إجمالي إنفاق الميزانية لعام 2026 عند 18.98 تريليون ليرة، مع استهداف عجز يعادل نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وبحلول نهاية مايو، تم استخدام 38.6% من إجمالي المخصصات السنوية.
تأتي هذه الأرقام في ظل استمرار البنك المركزي التركي في تثبيت سعر الفائدة عند 37%، في محاولة لكبح التضخم الذي ارتفع إلى 32.61% في مايو مقارنة بـ32.37% في أبريل.
بين السياسة النقدية والمالية
تكشف هذه المعطيات عن مفارقة أساسية في الاقتصاد التركي، وهي أن السياسة النقدية تتجه نحو التشديد لكبح التضخم، بينما تميل السياسة المالية إلى التوسع عبر زيادة الإنفاق. هذا التباين يخلق ضغوطًا مزدوجة، حيث تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى تضخم كلفة خدمة الدين، ما ينعكس مباشرة على عجز الميزانية.
كما أن تراجع بعض الإيرادات الضريبية، حتى لو كان جزئيًا بسبب عوامل تقنية، يسلط الضوء على هشاشة التوازن المالي في بيئة تضخمية مرتفعة.
دلالات المرحلة المقبلة
تشير المؤشرات إلى أن استمرار هذا الاتجاه قد يفرض على الحكومة خيارات صعبة إما تقليص الإنفاق للحد من العجز، أو البحث عن مصادر إيرادات إضافية، أو القبول بمستويات أعلى من العجز في المدى القصير. وفي جميع الحالات، ستظل كلفة الفائدة العامل الأكثر حساسية في تحديد مسار المالية العامة.
خلاصة
التحول إلى العجز في مايو يعكس اختلالًا بين تراجع الإيرادات وارتفاع الإنفاق، مع دور حاسم لمدفوعات الفائدة. ورغم تسجيل فائض أولي، فإن الضغوط النقدية والتضخم تجعل استقرار المالية العامة تحديًا مستمرًا.

