حقق برنامج المقاتلة التركية «قآن» (KAAN) تقدمًا جديدًا مع بدء اختبارات السير الأرضي لأحد النماذج الأولية المطورة، في محطة فنية تعد من أهم المراحل التي تسبق تنفيذ الرحلات الجوية، وتؤكد استمرار تقدم المشروع الذي يمثل حجر الأساس في طموح تركيا لبناء مقاتلة متعددة المهام من الجيل الجديد.
وأظهرت مشاهد نشرتها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) النموذج الأولي وهو يتحرك على المدرج بقوة محركاته الذاتية، رغم أنه لم يحصل بعد على الطلاء النهائي، في إشارة إلى دخوله مرحلة الاختبارات التشغيلية قبل الإقلاع.
وبحسب تقارير متخصصة في الشؤون الدفاعية، فإن الطائرة التي خضعت للاختبارات تحمل الرمز P1، وهي واحدة من نموذجين جديدين تعمل الشركة على تجهيزهما ضمن المرحلة التالية من برنامج الاختبارات الجوية.
ما أهمية اختبارات السير الأرضي؟
تشكل اختبارات السير الأرضي مرحلة أساسية في تطوير أي طائرة عسكرية، إذ تسمح للمهندسين بتقييم أداء الأنظمة الحيوية قبل منح الطائرة الإذن بالتحليق.
وخلال هذه الاختبارات يتم فحص أداء المحركات أثناء الحركة، وكفاءة أنظمة المكابح، ودقة نظام التوجيه، واستجابة أسطح التحكم بالطيران، إضافة إلى اختبار تكامل الأنظمة الإلكترونية والميكانيكية تحت ظروف تشغيل فعلية على المدرج.
ويمثل نجاح هذه المرحلة مؤشرًا مهمًا على جاهزية الطائرة للانتقال إلى برنامج الطيران التجريبي.
خطة الاختبارات حتى نهاية عام 2026
تستهدف شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية تنفيذ أول رحلة جوية للنموذج P1 خلال الأشهر المقبلة، على أن ينضم إليه النموذج الثاني P2 قبل نهاية عام 2026.
ويهدف هذا التوسع في عدد النماذج التجريبية إلى تسريع عمليات الاختبار وجمع البيانات الفنية، بما يسمح بتطوير الطائرة بوتيرة أسرع وتقليل الزمن اللازم للوصول إلى مرحلة الإنتاج المتسلسل.
ووفق الجدول الزمني المعلن، تخطط تركيا لبدء تسليم أولى الطائرات إلى القوات الجوية التركية خلال عام 2028.
انفراج أمريكي في ملف المحركات
يتزامن التقدم الفني للمشروع مع تطور مهم على الصعيد السياسي والعسكري، بعدما أفسحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المجال أمام صفقة لتزويد تركيا بمحركات أمريكية ستستخدم في النماذج الأولية والإنتاج المبكر للمقاتلة.
وفي 24 يونيو أخطرت الإدارة الأمريكية الكونغرس رسميًا بعزمها الموافقة على بيع محركات General Electric F110 ومعدات الدعم المرتبطة بها، في صفقة تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار.
وخلال تلك الفترة، وعندما سُئل ترامب عن الصفقة وإمكانية عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35، قال إنه يعتزم اتخاذ خطوة “ستجعل الأتراك سعداء للغاية”، في تصريح أثار اهتمام الأوساط السياسية والدفاعية.
وبعد انتهاء مهلة المراجعة القانونية داخل الكونغرس في 9 يوليو دون صدور تشريع يمنع الصفقة، أصبحت العملية قادرة على الانتقال إلى مراحلها التنفيذية.
ومع ذلك، فإن انتهاء فترة المراجعة لا يعني إبرام العقد النهائي، إذ لا تزال الحكومتان الأمريكية والتركية، إلى جانب الشركة المصنعة، بحاجة إلى استكمال المفاوضات المتعلقة بالشروط التجارية، وجداول التسليم، وإجراءات الاختبار والاعتماد الفني.
اعتراضات داخل الكونغرس
رغم عدم تعطيل الصفقة، واجهت معارضة من عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي.
واستند المعترضون إلى استمرار امتلاك تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، إضافة إلى الخلافات المتعلقة باليونان وقبرص وأرمينيا، فضلاً عن انتقادات مرتبطة بسياسات الحكومة التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
ورغم هذه الاعتراضات، لم تتمكن من حشد الأغلبية اللازمة لوقف الصفقة خلال المهلة القانونية.
80 محركًا للإنتاج الأولي
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة الصناعات الجوية والفضائية التركية محمد دمير أوغلو لاحقًا أن انتهاء مراجعة الكونغرس سمح بتصدير 80 محركًا من طراز F110 مخصصة للمرحلة الأولى من إنتاج المقاتلة.
وأوضح أن تركيا تمتلك بالفعل 10 محركات تستخدم في النماذج التجريبية الحالية، فيما يُنتظر وصول أول دفعة من المحركات الجديدة خلال عام 2027.
المحرك المحلي ما زال قيد التطوير
ورغم اعتماد البرنامج حاليًا على محركات F110 الأمريكية، فإن الخطة الاستراتيجية التركية لا تزال تستهدف تشغيل النسخ المستقبلية من المقاتلة بمحرك محلي بالكامل.
ويواصل المهندسون الأتراك تطوير المحرك الوطني TF35000، إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الجاهزية التشغيلية.
وتأمل أنقرة في دمج هذا المحرك بالمقاتلة ابتداءً من عام 2032، بما يمنح البرنامج استقلالية أكبر ويقلل الاعتماد على الموردين الأجانب في أحد أكثر المكونات حساسية في صناعة الطيران العسكري.
تطوير تقني يتجاوز النموذج الأول
وتشير المعطيات الفنية إلى أن النموذجين P1 وP2 يمثلان مرحلة أكثر تقدمًا مقارنة بالطائرة التجريبية الأولى التي استخدمت لإطلاق برنامج الطيران.
فقد جرى تصميم النموذج الأول أساسًا لإثبات المفهوم والبدء المبكر بالاختبارات الجوية، بينما تتمتع النماذج الجديدة ببنية إلكترونية أكثر تطورًا، وأنظمة محسنة ستستخدم في مواصلة أعمال التطوير والتقييم قبل الوصول إلى النسخة النهائية.
وكانت أول طائرة تجريبية من مشروع «قآن» قد نفذت رحلتها الأولى في فبراير 2024، حيث بقيت في الجو لمدة 13 دقيقة، وبلغت ارتفاعًا قدره 8000 قدم، بسرعة وصلت إلى 230 عقدة.
مواصفات المقاتلة التركية الجديدة
تُصنف «قآن» كمقاتلة شبحية ثنائية المحرك متعددة المهام، وتعمل تركيا على تطويرها لتلبية احتياجات القوات الجوية خلال العقود المقبلة، مع استبدال جزء من أسطول مقاتلات F-16 تدريجيًا.
وصُممت الطائرة لتنفيذ مهام القتال الجوي والهجوم الأرضي، مع الاعتماد على حجرة أسلحة داخلية تقلل البصمة الرادارية، إضافة إلى منظومات إلكترونية متقدمة، وتقنيات دمج البيانات القادمة من أجهزة الاستشعار المختلفة، وقدرات متطورة في مجال الحرب الإلكترونية.
ووفق البيانات المعلنة من شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية، تبلغ السرعة القصوى المتوقعة للطائرة 1.8 ماخ، فيما يصل سقفها العملياتي إلى 55 ألف قدم، بينما يبلغ الحد الأقصى لوزن الإقلاع نحو 34.75 طنًا.
مشروع اكتسب أهمية مضاعفة بعد أزمة «إف-35»
اكتسب برنامج «قآن» أهمية استراتيجية متزايدة منذ استبعاد تركيا من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35 عام 2019، على خلفية شراء أنقرة منظومة S-400 الروسية.
ورأت واشنطن آنذاك أن تشغيل المنظومة الروسية بالتوازي مع مقاتلات F-35 قد يهدد أمن التقنيات الحساسة للطائرة، قبل أن تفرض لاحقًا عقوبات على هيئة الصناعات الدفاعية التركية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح تطوير مقاتلة وطنية متقدمة أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية للصناعات الدفاعية التركية، باعتباره يمثل ركيزة للاستقلال العسكري والتكنولوجي في قطاع الطيران القتالي.
طلبات شراء تعزز مستقبل البرنامج
بدأ المشروع يحقق حضورًا على المستوى العملي، بعدما وقعت القوات الجوية التركية في مايو الماضي عقدًا لشراء 20 مقاتلة ضمن الدفعة الأولى للإنتاج.
كما نجح البرنامج في تسجيل أول زبون أجنبي، بعدما أعلنت إندونيسيا اتفاقها على شراء 48 مقاتلة «قآن»، في خطوة تعزز فرص المشروع في دخول سوق الطائرات المقاتلة عالميًا، وتمنحه دفعة اقتصادية وصناعية مهمة خلال السنوات المقبلة.

