بقلم: سليم نيازي أوغلو
لم تعد أزمات الشرق الأوسط المتلاحقة حروباً منفصلة تدور في ساحات متباعدة. فغزة ولبنان واليمن والعراق وإيران والخليج العربي والبحر الأحمر باتت أجزاء من منظومة صراع واحدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع أمن الطاقة والتجارة الدولية ومستقبل النفوذ الأمريكي.
والخطر الأبرز في هذه المرحلة لا يكمن فقط في اتساع رقعة المواجهة، بل في انتقال الصراع من حرب على الجبهات إلى حرب على الممرات. فمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وخطوط أنابيب النفط لم تعد مجرد بنى تحتية للتجارة والطاقة، وإنما تحولت إلى أوراق ضغط استراتيجية يمكن أن تمتد آثارها من الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي.
من الجبهات إلى نقاط الاختناق
يمثل باب المندب إحدى أهم حلقات الاتصال بين المحيط الهندي والبحر الأحمر والمتوسط. وأي اضطراب طويل في الملاحة عبره لا يعني فقط تغيير مسار السفن، بل زيادة تكاليف التأمين والنقل، وإطالة زمن الرحلات، وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد.
أما مضيق هرمز، فيظل الحلقة الأكثر حساسية في سوق الطاقة العالمي. ومن هنا فإن تزامن التوتر في هرمز مع اضطراب الملاحة في باب المندب يخلق ما يمكن وصفه بـ “معادلة الاختناق المزدوج“؛ إذ يصبح جزء كبير من حركة الطاقة والتجارة الدولية عرضة للتأثر بقرار عسكري أو سياسي في منطقة جغرافية محدودة.
وهنا تتغير طبيعة القوة نفسها. فلم يعد امتلاك السلاح أو السيطرة على مساحة واسعة من الأرض كافياً وحده. فقدرة طرف ما على تعطيل ممر بحري أو تهديد منشأة نفطية قد تمنحه تأثيراً اقتصادياً يتجاوز بكثير حجم قوته العسكرية التقليدية.
واشنطن بين الردع والاحتواء
تكشف الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين، وفق ما أُعلن، عن معضلة تواجهها واشنطن في التعامل مع التصعيد اليمني. فالولايات المتحدة تريد حماية حرية الملاحة والمصالح الدولية، لكنها لا تبدو راغبة في تحويل البحر الأحمر إلى جبهة عسكرية مفتوحة تستنزف قواتها وتفرض عليها التزامات جديدة.
ولهذا تبدو سياسة واشنطن أقرب إلى إدارة المخاطر والاحتواء منها إلى البحث عن حسم عسكري شامل.
لكن هذه المقاربة تخلق بدورها توتراً مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. فالسعودية تنظر إلى التهديد الحوثي باعتباره قضية أمن قومي تتصل مباشرة بحماية منشآتها النفطية وموانئها وخطوط تصديرها، بينما تضع واشنطن حرية الملاحة وحماية مصالحها المباشرة في مقدمة أولوياتها.
وهذا التباين لا يعني بالضرورة انهيار التحالف الأمريكي-السعودي، لكنه يكشف تحولاً مهماً في العلاقة: واشنطن تريد من حلفائها تحمل قدر أكبر من مسؤولية أمنهم، بينما يريد هؤلاء الحلفاء ضمانات أمريكية أكثر وضوحاً وقابلية للتفعيل.
السعودية بين ضغطين
تزداد حساسية الوضع السعودي إذا تزامنت التهديدات القادمة من الجنوب مع ضغوط من الساحة العراقية في الشمال.
ففي هذه الحالة، لا تواجه المملكة جبهة واحدة يمكن احتواؤها، وإنما شبكة من التهديدات المحتملة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
وتكشف هذه المعادلة عن مشكلة أساسية في الحروب الحديثة: تكلفة الدفاع عن البنية التحتية الاستراتيجية قد تكون أعلى بكثير من تكلفة استهدافها. فحماية المطارات والموانئ والمنشآت النفطية وخطوط الأنابيب والممرات البحرية تتطلب منظومة أمنية واسعة ومكلفة، بينما يمكن لهجوم محدود نسبياً أن يفرض اضطراباً اقتصادياً واسعاً.
النفط: قلب المعادلة العالمية
في النهاية، تعود معظم هذه المسارات إلى عامل واحد: الطاقة.
فالنفط ليس مجرد سلعة تُباع في الأسواق، وإنما مدخل أساسي للنقل والصناعة والبتروكيماويات والزراعة. وأي اضطراب طويل في إمداداته يمكن أن ينتقل سريعاً من سعر البرميل إلى أسعار السلع والخدمات، ثم إلى التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.
وتستطيع الدول الكبرى استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية لتخفيف الصدمة الأولى، لكن هذه الاحتياطيات ليست بديلاً دائماً عن تدفق الإمدادات. وإذا طال أمد الاضطراب، فإن السوق قد تواجه معادلة مزدوجة: معروض أقل وطلب مستمر، بما يعني ضغوطاً تصاعدية على الأسعار.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول النفط الموجود في باطن الأرض، وإنما حول القدرة على إنتاجه ونقله وتأمين طرق وصوله إلى الأسواق.
أوروبا ومصر: كلفة الحرب خارج ساحتها
تظهر التداعيات بوضوح في أوروبا، التي ما زالت تعيد بناء منظومتها للطاقة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية. فأي ارتفاع جديد في أسعار النفط والغاز ينعكس على الصناعة والنقل والزراعة، ويزيد الضغوط على الاقتصادات التي تواجه أصلاً ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتواجه مصر تحدياً أكثر مباشرة. فقناة السويس تمثل أحد أهم مصادر الإيرادات بالعملة الأجنبية، وأي انخفاض مستمر في حركة الملاحة نتيجة اضطراب البحر الأحمر يمكن أن يحرم القاهرة من موارد تحتاج إليها بشدة.
وهكذا تجد مصر نفسها أمام مفارقة جيوسياسية: ليست بالضرورة طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها تدفع ثمناً اقتصادياً متزايداً لها.
إسرائيل وإعادة تعريف الصراع
لا يمكن فصل التطورات الحالية عن الحرب التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد أدى الصراع في غزة إلى توسيع دائرة المواجهة لتشمل لبنان واليمن والعراق وإيران، وأصبحت ساحات متعددة مرتبطة ببعضها بدرجات مختلفة.
أما داخل إسرائيل، فقد أثارت الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم أكتوبر نقاشاً واسعاً حول أداء المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية والسياسية. وتبقى مسألة كيفية تعامل القيادة الإسرائيلية مع التحذيرات السابقة للهجوم موضوعاً يحتاج إلى تحقيقات وأدلة مستقلة قبل استخلاص أحكام نهائية.
لكن المؤكد أن إسرائيل انتقلت منذ ذلك الحين إلى مقاربة أكثر هجومية، تقوم على محاولة إضعاف مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى جبهات مباشرة.
ويطرح ذلك سؤالاً أكبر حول مستقبل المنطقة: هل تسعى إسرائيل إلى إعادة بناء منظومة ردع جديدة، أم أن اتساع العمليات العسكرية قد يؤدي في المقابل إلى إنتاج بيئة أمنية أكثر عدائية وأقل استقراراً؟
أما الحديث عن مشروع “إسرائيل الكبرى”، فيتطلب التمييز بين الخطاب العقائدي وبين السياسات القابلة للتنفيذ. فالتوسع الجغرافي قد يمنح مكاسب تكتيكية، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه أعباء أمنية وسياسية واقتصادية يصعب تحملها على المدى الطويل.
الولايات المتحدة والنظام الدولي
أما واشنطن، فتواجه اختباراً يتجاوز الشرق الأوسط نفسه. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكثر قدرة على التدخل عالمياً، لكن تعدد الجبهات وتزايد تكلفة حماية المصالح الأمريكية يدفعانها إلى إعادة التفكير في شكل وجودها العسكري.
وقد يعني ذلك انتقالاً تدريجياً من نموذج الانتشار المباشر والدائم إلى نموذج يعتمد أكثر على حاملات الطائرات والضربات بعيدة المدى والقواعد الواقعة خارج نطاق التهديد المباشر.
لكن هذا لا يعني تلقائياً نهاية النفوذ الأمريكي.
الأدق أن العالم ينتقل من مرحلة الهيمنة الأحادية الواضحة إلى نظام أكثر تنافساً وتعدداً وأقل قابلية للتنبؤ. الصين وروسيا والقوى الإقليمية باتت تمتلك أدوات تمكنها من التأثير في الحسابات الأمريكية، حتى من دون امتلاك القوة العسكرية التقليدية نفسها.
الخطر الحقيقي: اتصال الأزمات
تكمن خطورة المرحلة في أن الأزمات لم تعد مستقلة.
فالحرب في غزة تؤثر في لبنان، والتوتر مع إسرائيل يرتبط بإيران، وإيران مرتبطة بأمن الخليج، والخليج مرتبط بمضيق هرمز، واليمن مرتبط بباب المندب، وباب المندب مرتبط بقناة السويس، وقناة السويس مرتبطة بالتجارة بين آسيا وأوروبا.
إنها شبكة واحدة من المخاطر.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس من سينتصر في جبهة بعينها، بل هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية منع انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى ومن أزمة أمنية إلى أزمة طاقة واقتصاد؟
الخلاصة
يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة إعادة تشكيل تتجاوز حدود الحروب الحالية. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الأراضي والحدود، وإنما حول الممرات والشبكات ومصادر الطاقة وقدرة الدول على حماية تدفق التجارة.
وقد تكون المفارقة الأبرز أن السيطرة على نقطة اختناق واحدة قد تمنح لاعباً محدود القوة تأثيراً يفوق حجمه الجغرافي والعسكري.
من هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، تتشكل معادلة جديدة يصبح فيها أمن المنطقة جزءاً من أمن الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده نتائج المعارك وحدها، بل أيضاً قدرة الأطراف على منع تحول حرب الممرات إلى أزمة طاقة عالمية، وأزمة الطاقة إلى أزمة في النظام الدولي نفسه.

