نجح الحزب الجديد في تركيا، الذي تأسس حديثًا بقيادة أوزغور أوزيل، في جمع أكثر من 182 مليون ليرة تركية (نحو 3.8 ملايين دولار) خلال أول ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من إطلاق أول حملة تبرعات شعبية لتمويل أنشطته السياسية، في خطوة تعكس قدرة الحزب على حشد قاعدة داعمة في مرحلة لا يزال فيها خارج منظومة التمويل الحكومي للأحزاب.
وبحسب ما أعلنه النائب أوزغور جيلان، بلغ إجمالي التبرعات حتى مساء الجمعة 182,068,243 ليرة تركية، ساهم بها 85,975 متبرعًا من مختلف أنحاء البلاد، مؤكدًا أن الحزب سيواصل الإعلان عن بيانات التبرعات بصورة شفافة، باعتبارها جزءًا من سياسة الإفصاح التي يتبناها منذ تأسيسه.
وكانت الحملة قد سجلت خلال يومها الأول حصيلة بلغت 113,841,910 ليرات قدمها 31,934 متبرعًا، قبل أن تشهد قفزة كبيرة في اليوم التالي، بما يعكس اتساع المشاركة الشعبية في فترة زمنية قصيرة.
حملة تمويل مؤقتة إلى حين فتح باب العضوية
أطلق رئيس الحزب أوزغور أوزيل حملة التبرعات بالتزامن مع إعلان أن باب الانتساب الرسمي للحزب لن يُفتح إلا بعد استكمال جميع إجراءات التسجيل القانونية لدى محكمة التمييز التركية وسائر المؤسسات الرسمية المختصة.
وأوضح أوزيل أن الحزب يعتمد في مرحلته التأسيسية على الدعم الشعبي المباشر، داعيًا الراغبين في مساندة المشروع السياسي الجديد إلى استخدام الحسابات الرسمية المخصصة للتبرعات إلى حين انتهاء الإجراءات الإدارية.
وفي رسالة نشرها عبر منصة “إكس”، قال إن الحزب “وُلد بإرادة الشعب، وسيقوى بدعم الشعب، وسيصل إلى السلطة بإرادة الشعب”، في محاولة لتقديم الحزب باعتباره امتدادًا لحراك جماهيري أكثر منه مشروعًا تنظيميًا تقليديًا.
نواب يتبرعون برواتبهم البرلمانية
ولم تقتصر حملة الدعم على المواطنين، بل أعلن عدد من نواب الحزب الجدد تبرعهم براتب شهر كامل من مخصصاتهم البرلمانية لصالح الحملة.
وكان من أبرز هؤلاء نائب شانلي أورفا محمود تانال، الذي أكد عبر حسابه على منصة “إكس” تبرعه براتب شهر كامل، معتبرًا أن التضامن والتضحية يمثلان الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه المشروع السياسي الجديد.
كما أعلن نواب آخرون المبادرة نفسها، في رسالة أراد الحزب من خلالها إظهار التماسك الداخلي واستعداد قياداته لتحمل أعباء المرحلة التأسيسية.
لماذا يعتمد الحزب على التبرعات؟
يعود اعتماد الحزب الجديد على التبرعات إلى طبيعة نظام تمويل الأحزاب السياسية في تركيا، إذ ينص القانون على أن الأحزاب التي تحصل على ثلاثة في المئة على الأقل من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية تصبح مؤهلة للحصول على دعم مالي من خزينة الدولة، وتحدد قيمة التمويل وفقًا لنسبة الأصوات التي ينالها كل حزب.
كما ينص النظام على مضاعفة التمويل في سنوات الانتخابات المحلية، ورفعه إلى ثلاثة أضعاف خلال سنوات الانتخابات البرلمانية.
وبما أن الحزب الجديد لم يشارك حتى الآن في أي انتخابات وطنية، فإنه لا يستوفي الشروط القانونية للحصول على التمويل الحكومي، الأمر الذي يجعل التبرعات المصدر المالي الوحيد لتمويل نشاطاته التنظيمية والسياسية في الوقت الراهن.
خريطة التمويل الحكومي للأحزاب التركية
وفق المخصصات المقررة لعام 2026، سيحصل حزب العدالة والتنمية الحاكم على نحو 2.55 مليار ليرة تركية من الخزينة العامة، بينما تبلغ حصة حزب الشعب الجمهوري حوالي 1.82 مليار ليرة.
كما سيحصل حزب الحركة القومية على 721.5 مليون ليرة، وحزب الجيد (İYİ) على 693.9 مليون ليرة، في حين تبلغ مخصصات حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) حوالي 631.7 مليون ليرة.
وتبرز هذه الأرقام حجم الفجوة المالية التي يواجهها الحزب الجديد مقارنة بالأحزاب الممثلة في البرلمان التي سبق لها خوض الانتخابات وتحصل على تمويل رسمي ثابت.
من أزمة داخل الشعب الجمهوري إلى ولادة حزب جديد
جاء تأسيس الحزب الجديد في 24 يوليو عقب واحدة من أكبر الأزمات التي شهدتها المعارضة التركية خلال السنوات الأخيرة.
فقد استقال أوزغور أوزيل وتسعون نائبًا من حزب الشعب الجمهوري بعد صدور قرار من محكمة الاستئناف التركية في مايو يقضي بإلغاء نتائج المؤتمر العام للحزب الذي عقد عام 2023، وإعادة كمال كليجدار أوغلو إلى رئاسة الحزب.
وجاء الحكم بعد أشهر من الدعاوى القضائية التي تناولت اتهامات بشراء الأصوات خلال المؤتمر الذي أوصل أوزيل إلى قيادة الحزب.
ورفض أوزيل وأنصاره القرار، معتبرين أنه يمثل تدخلاً قضائيًا في الحياة السياسية وفي الشؤون الداخلية للمعارضة، وهو ما دفعهم إلى تأسيس كيان سياسي جديد بدلاً من العودة إلى قيادة كليجدار أوغلو.
موجة استقالات غير مسبوقة داخل المعارضة
لم تتوقف الأزمة عند خروج أوزيل وتسعين نائبًا، إذ أعلن لاحقًا 280 نائبًا سابقًا في حزب الشعب الجمهوري استقالتهم وانضمامهم إلى المشروع السياسي الجديد، في واحدة من أكبر موجات الانشقاق التي عرفتها المعارضة التركية في تاريخها الحديث.
ويعكس هذا التطور حجم الانقسام الذي أصاب أكبر أحزاب المعارضة، ويؤشر إلى إعادة رسم الخريطة السياسية داخل التيار المعارض قبل أي استحقاقات انتخابية مقبلة.
خلفية الصراع داخل الشعب الجمهوري
قاد كمال كليجدار أوغلو حزب الشعب الجمهوري لمدة 13 عامًا، إلا أنه أخفق في هزيمة الرئيس رجب طيب أردوغان في جميع الانتخابات الوطنية التي خاضها، وكان أبرزها خسارته جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية عام 2023.
وأدت تلك النتيجة إلى تصاعد المطالب داخل الحزب بإحداث تغيير في القيادة، وهو ما انتهى بفوز أوزغور أوزيل برئاسة الحزب خلال المؤتمر العام في العام نفسه.
وخلال فترة رئاسته، حقق الحزب نتائج لافتة في الانتخابات المحلية لعام 2024، حيث احتفظ برئاسة بلديات إسطنبول وأنقرة وإزمير، ونجح كذلك في انتزاع عدد من البلديات التي كانت خاضعة سابقًا لتحالف السلطة.
تصاعد المواجهة بين السلطة والمعارضة
أعقب تلك الانتخابات تصاعد ملحوظ في المواجهة السياسية، إذ فتحت النيابة العامة التركية سلسلة من تحقيقات الفساد استهدفت عشرات البلديات التي يديرها حزب الشعب الجمهوري.
وأدت هذه التحقيقات إلى توقيف أو اعتقال عدد كبير من رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين، وكان أبرزهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يعد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان.
وتؤكد أحزاب المعارضة أن هذه التحقيقات تحمل دوافع سياسية وتهدف إلى تقويض نفوذها المحلي، بينما ترفض الحكومة هذه الاتهامات، وتشدد على استقلال القضاء وعدم تدخل السلطة التنفيذية في عمله.

